الصورة الهامش -١/ محمد عبد الله لحبيب

على هامش صورة
من سيئات وسائل التواصل الاجتماعي الكثيرة أنها ترغم من لا يريد على الحديث عن نفسه، وتجعل من النكرة شخصية عامة. عن نفسي أتحدث هنا، فلم أكن ليثير انتباه الناس تصرف مني؛ التقاط صورة، أو مصافحة، أو مؤاكلة، لأي كان، لو أننا نجونا من فتنة الفضاء الأزرق، وعيونه التي لا تنام. هذه حقيقتي في نفسي، من غير تواضع ولا تزويق مقدمات.

من الجيد أن تحاسب الشخصيات العامة على تصرفاتها، حتى تزن أعمالها، من غير أن يكون ذلك تدخلا في خصوصيات يحفظها الشرع والأعراف لأصحابها. أما غير الشخصيات العامة، من دهماء الناس، ومن يخفيهم الغمار، فالأصل اعتبار كل تصرفهم خصوصية، لا تؤثر في واقع الحياة، ولا تثير شيئا من ردود أفعال العقلاء، أو تشغل حيزا من أوقاتهم، واهتماماتهم.

لو جرى الأمر على هذا النحو، وكان يجري عليها ردحا من الزمن، لكنا كل يوم نلحق بالدهماء أناسا تعوممت تصرفاتهم، وتدهمنت، وننزل بهم عن رتب الخاصة الذين ينظر إلى أفعالهم وتنقد ويحاسبون عليها.

انقلب الهرم، وأصبحنا نلحق كل ساعة وكل يوم، بالخواص ناسا جددا، وننقد أفعالهم ونمحص في تصاويرهم، وضحكاتهم، ولقاءاتهم، فكان أن حسبوا أنفسهم خاصة، مع أن من يعرفهم على حقيقتهم يرغب بنفسه عن الجلوس معهم.

رأوا واجبا عليهم التعليق على كل حدث، وأخذ موقف من كل حادث، وعزَّوْا في كل ميت، وهنّوا بكل مولود، ثم تمادوا فأفتوا عوام في دينهم، وحلوا معضلات الرياضيات والفلك والحساب، وفسروا كلام الله، وأعطوا الرأي في السنة تصحيحا، وتعليقا، ونسخا.

ثم ما لبث ناس أن اتخذوهم رؤوسا جهالا، تثور لغضبهم الفئام، يحسبون كل قول منهم علما، وكل موقف مبدئية، وماهم كذلك.

أرجوكم لا تسقوني من تلك الكأس، فما صحا لها شارب. أتجنب التعزية على العام، وأتحاشى التعليق على كثير من أحداث الدنيا، وأزْوَرُّ عن المشاركة في بعض الحملات، حتى لا أجد نفسي، وقد حيزت لي أطراف مملكة وهمية في هذا الفضاء النافخ، تحول بيني وما أعرف من نفسي؛ فمما حفظت معزوا إلى الصديق رضي الله عنه: “لا يغلبن جهل الناس بك علمك بنفسك”.

طالت هذه المقدمة؟ بعض الشيء! وإن كنت أراها أقل من أن تفي بالفكرة التي أروم.

زر الذهاب إلى الأعلى