الصدق… ميزة المصلحين/ الكوري ولد عبد البركه


قال الله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)، وأخرج الشيخان عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، ومَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ ويَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا”.
وقد عرف الباجي الصدق بقوله: (الصدق الوصف للمخبَر عنه على ما هو به)، وقال الراغب الأصفهاني: (الصدق مطابقة القول الضمير والمخبَر عنه معًا، ومتى انخرم شرط من ذلك لم يكن صدقًا تامًّا)، قال الطبري في قول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ قال أبو جعفر: “هم الذين صدقوا الله في إيمانهم، وحققوا قولهم بأفعالهم – لا مَنْ ولَّى وجهه قبل المشرق والمغرب وهو يخالف الله في أمره، وينقض عهده وميثاقه، ويكتم الناسَ بَيانَ ما أمره الله ببيانه، ويكذِّب رسله”.
والمسلم مطالب بالصدق في كل أموره في أقواله: بأن لا يقول إلا حقا، وفي أفعاله: بالاتباع وتجنب الابتداع، وفي أحواله: باستقامة القلب على الإخلاص واليقين والمراقبة والانقياد والمتابعة للخبر والأمر ظاهراً وباطناً. يقول ابن القيم في مدارج السالكين: (منه -يعني الصدق- تنشأ جميع منازل السالكين والطريق الأقوم الذي من لم يسر عليه فهو من المنقطعين الهالكين، وبه تميز أهل النفاق من أهل الإيمان، وسكان الجنان من أهل النيران، وهو سيف الله في أرضه الذي ما وضع على شيء إلا قطعه، ولا واجه باطلا إلا أرْداه وصرعه، من صال به لم ترد صولته، ومن نطق به علت على الخصوم كلمته، فهو روح الأعمال ومحك الأحوال والحامل على اقتحام الأهوال).
وللصدق ثمرات عديدة؛ منها: أنه دليل على الإيمان والتقوى ((وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ))، وأنه أمارة حسن العاقبة ((فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ))، وأنه علامة السلامة من النفاق: قال الامام ابن القيم: “الإيمان أساسه الصدق، والنفاق أساسه الكذب فلا يجتمع كذب وايمان الا واحدهما محارب للآخر”، وأنه منجاة من سخط الله وعذابه ((هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)). وأنه يورث الطمأنينة والراحة النفسية والبركة، فقد أخرج الإمام أحمد عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم (الصدق طمأنينة والكذب ريبة)، وفي الصحيحين: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما).
فيؤخذ من كل ذلك أن على الدعاة المصلحين أن يفقهوا مقتضيات هذا الخلق في إصلاح قصدهم وتصحيح مسارهم واستقامة أمرهم وإنفاذ مشروعهم وتحقيق أهدافهم وغاياتهم، لما يتطلبه كل ذلك من صدق النية والخوف والرجاء والتعظيم والزهد والرضا والتوكل والخشية والصبر.
والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل

زر الذهاب إلى الأعلى