أوراق الربيع .. الاستبداد والهَرَمية الفرعونية/ محمد مختار الشنقيطي

لعل الحكمة من تكرار قصة موسى -عليه السلام- في القرآن الكريم أكثرَ من أي قصة أخرى هي أنها تجسِّد الصراع التوحيدي مع الهرمية الفرعونية التي كانت تحكم مصر، وهو صراع انتهى بهدم تلك الهرمية، حتى آل الأمر بالفرعون غريقا يجري الماء من فوق رأسه، بعد أن كان يفخر بأن أنهار مصر تجري من تحته: “أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ؟” (سورة الزخرف، الآية 51).

وتتألف الهرمية الفرعونية -كما يمكن استخلاصها من قصة موسى عليه السلام- من عناصر سبعة، يَرِد ترتيبها هنا تنازليا حسب موقعها في الهرم، الذي لا يختلف شكله كثيرا عن أهرامات مصر التي بناها فراعنتها:

  1. فالفرعون يتربع على قمة الهرم وقد تعالى على غيره وانفصل عنهم شعوريا، حتى وصل به الكبرياء أن أعلن نفسه رباًّ أعلى لرعيته: *”فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى”* (سورة النازعات، الآيتان 23-24).
  2. ثم يليه أسفل منه في الهرم مباشرة هامانُ، وهو يمثل النخبةَ السياسية المرتبطة بالفرعون، وأداتَه المباشرة في استعباد الناس والاستعلاء في الأرض: “يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ” (سورة غافر، الآية 36).
  3. ثم يلي ذلك قارون، وهو يمثل النخبة المالية التي تعتاش على الاستبداد والفساد، وتتعالى على جمهور الناس تعلقا بالفرعون. وتدخل هاتان الطبقتان -الهامانية والقارونية- ضمن “الملأ” مِن عِلْية القوم المشاركين مع الفرعون في ظلمه، المستفيدين من ثمرات حكمه استفادة مباشرة.  
  4. ثم يأتي أسفل من هاتين النخبتين السياسية والمالية موقعُ السَّحَرة، وهم يمثلون النخبة الثقافية والقوة المعنوية المتألفة من فقراء الضمائر، الذين يسيرون في ركاب الفرعون ويسوّغون له ظلمه، مقابل زاد زهيد من فُتات موائده: “قالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ” (سورة الأعراف، الآية 113).
  1. ثم يأتي موقع الجنود: “واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق” (سورة القصص، الآية 39)، ” إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ” (سورة القصص، الآية 8). وهؤلاء يمثلون القوة القهرية التي يبطش بها الفرعون، حين يلجأ إلى الإكراه، بعد عجزه عن الإقناع.
  1. ثم يأتي موقع القوم الفاسقين، أي ذلك الجزء من الشعب الذي يستخفُّه الفرعون فيطيعه في مسالكه الشريرة: “فاستخفَ قومَه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين” (سورة الزخرف، الآية 54) رغم أن كسبه من ثمرات ظلم الفرعون كسب زهيد مقابل تورطه في الجرم الغليظ. وربما يكون التعبير القرآني بـ”الاستخفاف” عن علاقة الفرعون بهؤلاء إشارة إلى ذلك.
  2. وأخيرا يأتي في قاع الهرم صنف المستضعفين المظلومين الذين يستعبدهم الفرعونُ وملَأُه، ويُهدرون إنسانيتَهم. وفي حالة الرسالة الموسوية كان في قاع الهرم بنو إسرائيل، الذين بلغ استعباد الفرعون لهم مبلغا عظيما، تضمَّن تذبيح فلذات أكبادهم. ويكفي التعبير القرآني الكريم الواصف لهذه المحنة بسوء العذاب وبالبلاء العظيم: “وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ” (سورة البقرة، الآية 49).

ولو أننا تأملنا بنْية أي نظام سياسي استبدادي في أي عصر، فسنجد ملامح الهرميةَ الفرعونية ذاتها، بغضّ النظر عن التسميات والاصطلاحات.

ففي عصرنا يوجد فراعنة في صورة زعماء متألِّهين، ونخبٍ سياسية مرتبطة بهم على شاكلة هامان، وجماعات فساد مالي مستفيدة منهم على شاكلة قارون. أما الجنود -الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم- فتمثِّلهم في دول الاستبداد المعاصر أجهزةُ الجيش والأمن والمخابرات المسلَّطة على رقاب الشعوب. وأما السحرة فتمثلهم مرتزقة الصحافة وفقهاء التبرير، وأما المستخَفُّون المطيعون فهم الجهلة والغوغاء من فقراء الضمائر، الذين يسيرون مع كل ناعق، ويلهثون وراء كل قويٍّ، مهما يكن في مسالكه من ظلم وجور، بل قد يصل بهم الحضيض إلى مستوى إظهار البهجة بالمذابح، والرقص على دماء الشهداء، ودموع اليتامى، وآهات المعذَّبين.. كما رأينا لدى بعض أنصار السيسي وبشار الأسد.

وقد جاء الإسلام بقلْب نظام الحكم القهْري الهرَمي الذي كان سائدا في الإمبراطوريات العتيقة رأسا على عقب، وسنَّ نظاما للحكم في شكل هرَم مقلوب، وذلك حين وضع المنصب السياسي بيد الأمة، تستأمن عليه من تشاء، وتنزعه ممن تشاء، باعتبارها صاحبة السيادة، ومصدر الشرعية السياسية.

وجعل الأميرَ مجردَ أجير لديها، يعبِّر عن إرادتها الجمعية، وهي لا تطيعه إلا بقدْر ما يطيع الله فيها، وينفِّذ إرادتَها. وقد أحسن إمام الحرمين الجويني (419-478هـ) التعبير عن ذلك فقال: “فالمسلمون هم المخاطَبون، والإمام في التزام أحكام الإسلام كواحدٍ من الأنام، ولكنه مُستنابٌ في تنفيذ الأحكام” (الجويني، غياث الأمم، 276).

ويمكن أن نلاحظ ملامح من الصراع المبكِّر بين الهرمية الفرعونية والقيَم السياسية الإسلامية في سعْي معاوية بن أبي سفيان إلى البيعة لابنه يزيد، وتحويل الخلافة الشورية مُلْكاً عَضوضاً. فقد رفض خِيارُ أهل الإسلام ذلك المسعى من معاوية، متشبثين بمنظور أخلاقي مناقض تماما لمنظور الهرمية الفرعونية “حيث إن معاوية كتب إلى [والِيهِ على المدينة] مروان أن يبايع ليزيد بن معاوية، فقال عبد الرحمن [بن أبي بكر الصديق]: جئتم بها هِرَقْلية وفَوْقية تبايعون لأبنائكم!” (البغوي، معجم الصحابة، 4/184. وأصل القصة في صحيح البخاري 6/133 بلفظ مختلف).

فالهِرَقْلية والفَوْقية تعبِّران أبلغ تعبير عما سميناه هنا الهرمية الفرعونية التي شرَّع الإسلام هدمها، وبناء عالَم أُفُقيٍّ على أنقاضها، على قواعد الشورى والعدل والمساواة.

وإنما كانت القيم السياسية الإسلامية قلبا للهرمية الفرعونية رأساً على عقب، لأنها تضع السلطة السياسية تحت الأمة لا فوقها. وما استنكره عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق على معاوية ومروان من “فوقية” تعبيرٌ بليغ رفض الهرمية الفرعونية، وعن التشبث بالهرم الإسلامي المقلوب، الذي يجعل الأمة منبع الشرعية السياسية، ومصدر السلطة العليا.

وقد سارت نظريات العقد الاجتماعي المعاصرة على سنَّة الإسلام في هدم الهرمية الفرعونية، حين تبنَّت “النظر إلى مبادئ الحكم السياسي من زاوية المحكومين، لا من زاوية الحكام” كما لاحظ عبد العزيز لبيب في تقديم ترجمته لكتاب الفيلسوف السياسي الفرنسي جان جاك روسو (في العقد الاجتماعي).

ويمكن قراءة تاريخ الرسل كله باعتباره سعيا إلى تفكيك الهرمية الفرعونية: اعتقاديًّا بدعوة الخلق إلى توحيد الخالق، وقانونيًّا بالمساواة بين الحاكم والمحكوم أمام الشرع الإلهي.

وليس من المبالغة ما ذهب إليه أستاذنا التيجاني عبد القادر –وهو من خِيرة الدارسين السياسيين لقصص القرآن- من أن “الرسل هم أول من جاء بفكرة الدولة، وبمفهوم الاحتكام إلى قانون غير ذاتي المصدر أو شخصيِّ الطابع” (التيجاني عبد القادر، أصول الفكر السياسي في القرآن المكي، 96).

وهذا يشبه ما ذهب إليه الفيلسوف السياسي الأميركي فرنسيس فوكوياما في قوله: “اعتمدتْ حُرمة القانون تاريخيًّا على الأصول الدينية للقانون” (فوكوياما، أصول النظام السياسي، 1/574).

 وجملة القول في بِنْية الهرمية الفرعونية كما بسطها القرآن الكريم، هي أن الاستبداد لا يتجسَّد في شخص الفرد المستبد، بل هو بِنْية مركَّبة من طبقات، في شكل هرَم يعتلي قمَّتَه فردٌ متجبِّر، تعضِّده نخبة سياسية منافقة، ومافيا مالية آسنةٌ، وقوة معنوية تسويغية، وقوة مادية قاهرة، وشعب مغفَّلٌ جبانٌ. فإذا أردنا فهْمَ داء الاستبداد بعيداً عن الاختزال في الشعارات الانتخابية المعاصرة التي تلوم الحاكم وتبرئ المحكوم، فعلينا أن ندرك أنه لم يوجد فرعونٌ في أيِّ عصرٍ أو مِصرٍ من غير هامانٍ، وقارونٍ، وسحَرةٍ، وجنودٍ، وشعبٍ مستخَفٍّ مُطيعٍ طاعةَ القطيع.

المصدر مدونات الجزيرة

زر الذهاب إلى الأعلى