اكناته ولد النقرة يكتب : الشخص المناسب في المكان المناسب!

الشخص المناسب في المكان المناسب / اكناته ولد النقره


صحيح أنها مقولة باتت مستهلكة وفقدت مع الطمر الكثير من بريقها ،ومع ذلك تبقى إحدى أهم مفاتيح نجاح العمل الإداري وقواعده الذهبية التي ظلت غائبة او مغيبة عن بيئة الأعمال الإدارية لدينا طوال عقود ،فالشخص المناسب في عرفنا هو مسؤول القبيلة المتصدر،وهو ابن الجهة المتنفذ ،و (وكيل الشريحة ) المتسلق ،وأخو العشيرة السياسية المتملق (ولا أقول الحزب لغياب مفهومه المدني الصحيح لدى أغلب التشكيلات)
أما المكان المناسب فهو من يحدده في الأغلب الأعم لنفسه بنفسه،أما المؤهل العلمي والكفاءة الإدارية والخبرة المهنية وقوة الأمانة…وغيرها من مؤهلات الترقي الوظيفي والتعيين فلا يحسب لها أدنى حساب وفق منطق الزبونية وميزانها الأعرج ذاك فالمناصب أصلا “مكافأة” لا”كفاءة”.
إن فشو تلك الممارسة الإدارية الخطيرة التي عبر عنها الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم ب”تضييع الأمانة” فمؤذن بخراب العمران بل وقرب قيام الساعة :”إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظروا الساعة “(البخاري).
إن هذا الداء الإداري العضال القاتل للكفاءات هو أشبه بذلك الجاسوس السوفيتي الذي جندته المخابرات الآمريكية ستينيات القرن الماضي،وهو يعمل مستشارا للرئيس وقتها وكان من أكثر الموظفين تفانيا واخلاصا ،وحين تم كشف ارتباطاتاته بالأمريكان من قبل أل”kgb” او جهاز الإستخبارات السوفيتي فوجؤا بأنهم لم يعثروا بحوزته على مايدينه ،فسألوه كيف كنت تخدم الأمريكان ؟ فأجاب كانت مهمتي واضحة ومحددة :لقد كانت تقوم على أساس وضع الرجل المناسب في المكان غير المناسب(فكيف بغير المناسب أصلا كما هو الحال عندنا!) ،فكنت أنصح الرئيس بوضع المهندس الزراعي على رأس وزارة المالية ،والطبيب على وزارة الصناعة ،ورجل الدبلوماسية على الطاقة …
وهو ما ساهم في إضعاف الاتحاد السوفيتي ،وتراجع القدرات الإقتراحية لدى مختلف الدوائر الإدارية بسبب عدم احترام التخصص لدى المسؤول الأول بالمؤسسة ” وبالتالي تراجع الإنتاجية و انكماش الدورة الاقتصادية ،و تفكك الكيان الاقتصادي ثم الاجتماعي لاحقا وهو ماتم بالفعل .
وإذا كان ذلك هو حجم الإختراق الحاصل في بعض بلدان العالم الأول الأكثر تقدما وتحصينا لنسيجها الداخلي فكيف سيكون واقع الحال في بلدان العالمين الثاني والثالث؟ وكم يختبئ من اضراب ذلك العميل الأمريكي، خلف العديد من قرارات ومراسيم التعيين والتوظيف لدينا بالفعل أو بالقوة ؟
وبرغم تراجع أداء و فاعلية معظم شعوب المنطقة العربية وفق مؤشر عالم الاجتماع الهولندي “هوفستد ” المعروف ب”مقياس المسافة من السلطة”او”power distance ” ،والذي يجس نبض الشارع فيما يتعلق بمدى الرفض أو التقبل والإذعان لقرارات السلطة السياسية القائمة، دون أدنى نقاش او مساءلة ،كما هي حال الغالبية من تلك الشعوب حيث تسود ثقافة التسليم والخضوع ،ويتسع هامش التبرير والتسويق،حين وصل المؤشر في الحالة العربية وفق العينات التي خضعت للمسح إلى ثمانين درجة على السلم الذي ترتفع تدريجته من :(0إلى120) درجة تصاعديا وفق درجات الرضى عن القرارات ،برغم تلك الصورة القاتمة لا نزال نلمس منذ اندلاع الموجة الأولى من الربيع العربي ،اتساع الحراك المطلبي المحتج على الفساد السياسي والإداري والساعي لمطلب التغيير،مع تنويع لافت في أدوات النضال ،وتوظيف محترف لوسائط التواصل الاجتماعي،حتى من داخل بعض البلدان الأكثر انغلاقا وصلابة في” معامل المرونة السياسي ” كنظام الحكم الملكي بالعربية السعودية مثلا ،فقبل مايقارب السنتين والنصف من الآن أسهمت مبادرة جريئة أطلقها مواطن سعودي على صفحات التواصل الإجتماعي في إقالة وزير الخدمة المدنية السعودي (خالد بن عبد الله العرج ) وذلك على خلفية تعيينه لنجله مديرا للمشاريع في وزارة الشؤون البلدية والقروية، اللصيقة بوزارته بمرتب يعادل :5760 دولارا،والنكتة الأخرى في التعيين أن المؤهل العلمي للنجل المحظوظ لا يزيد على شهادة الثانوية العامة .
فلم يكن للملك سلمان بد من إقالة الوزير المذكور وتشكيل لجنة للتحقيق في تجاوزات أخرى قد يكون اقترفها أثناء إدارته للوزارة !
إنها إرادة الشعوب عندما تتحرر من عقدة الخوف من لسعة السوط الأول للجلاد، وصحوة ضمير الحاكم عندما يتعقل قبل فوات الأوان ،فلا يزال في الوقت متسع لتصحيح الأخطاء ،فالوقت دائما كما يقول :مارتن لوثر كنج “مناسب لفعل ماهو مناسب “!


زر الذهاب إلى الأعلى