السفير الجزائري في موريتانيا يكتب عن العلاقات بين البلدين

يعد شهر نوفمبر شهر جزائري موريتاني بامتياز، عزيز على البلدين، يستذكر فيه الشعبان تضحيات أبنائهما البررة الذين ضحوا بأنفسهم ثمنا للحرية. ففي غرة الشهر، يحتفل الشعب الجزائري بالذكرى الخامسة والستين لاندلاع ثورة التحرير المجيدة، وسيختتمه الشعب الموريتاني الشقيق، في الثامن والعشرين منه، بتخليد ذكرى استقلاله التاسع والخمسين. ويسعدني في هذه السانحة السعيدة أن أستبق الحدث لأتقدم بأصدق التهاني وأزف أخلص التمنيات والتبريكات للشعب الموريتاني الشقيق.

إن المناسبة فرصة لتقييم أحوال البلدين الآنية ومآلات مسيرتهما في المستقبل. فبالنسبة لموريتانيا، كل الارهاصات والبواكير تبشر بالخير وتنبئ بالازدهار وتزرع التفاؤل في نفوس أبنائها. وتستعد الجزائر لتدشين مرحلة جديدة من تاريخها بالشروع في بناء صرحها المؤسساتي والدستوري. وبعد الانتخابات الرئاسية التي خاضتها موريتانيا في جوان 2019، ستضع رئاسيات 12 ديسمبر بالجزائر البلد على السكة الصحيحة وعلى درب نير واضح المعالم.

تتطلع الجزائر الى علاقات متينة قوية راسخة مع موريتانيا تضف لبنات جديدة وقوية إلى سجلهما الحافل بصنوف التعاون وضروب التضامن، سمته التميز وعنوانه الاستثناء. ولا نبالغ إذا قلنا أنهما عاشا لسنين عديدة مثل الحليفين الحقيقيين، ولا نغالي إن وصفنا تعاونهما وتضامنهما بالقصة الجميلة التي تستحق أن تروى فصولها.

ففي ذاكرة الرئيس الراحل المختار ولد داده، نماذج من هذا النوع من التضامن الأخوي المتفرد. وقد أورد العديد منها في مذكراته. وقد استوقفني مثال تحدث عنه بتأثر حيث قال : “فاتحت السيد بومدين ذات يوم عن مشروع إنشاء ميناء بنواكشوط في المياه العميقة، كمشروع حيوي لموريتانيا، فرد علي الرئيس بومدين قائلا : “كم كلفة المشروع ؟” فقلت له إنها “في حدود 250 مليون فرنك إفريقي.” فرد قائلا : “يستطيع وزير ماليتكم أن يتصل بنظيره الجزائري ليحددا إجراءات تحويل المبلغ إلى موريتانيا.”

غير أن الصين، التي كنا قد التمسنا منها ذلك، قررت أن تأخذ على عاتقها تكاليف العملية بمجملها، دراسة وتنفيذا. وعندما أخبرت السيد بومدين بالمستجد، رد علي بأنني أستطيع أن احتفظ بالمبلغ والتصرف فيه كما أريد. ويختم المرحوم المختار ولد داده كلامه كما يلي : “عزمت أن تكون تلك الهبة الهامة شاهدا على التضامن بين الشعبين الجزائري والموريتاني. وقد كان مستشفى ألاك الجهوي أهم الإنجازات الممولة من تلك الهبة، إضافة إلى مشاريع أخرى”. )موريتانيا على درب التحديات ص. 480-481 (.

وعندما قررت موريتانيا سنة 1972 أن تنشئ عملتها الوطنية “الأوقية”، حصل ذلك مع الجزائر وبالسرية المطلوبة. وللزعيم أحمد ولد داده، الذي كان أول رئيس للبنك المركزي الموريتاني، من سنة 1973 إلى سنة 1978، ذكريات في هذا الشأن. وقد روى لي كيف كان حافظ البنك المركزي الجزائري حينها، المرحوم محمد الصغير مصطفاي، يسمح له بولوج كل المقرات دون استثناء، ولم يخف عنه سرا أو يبخل عنه معلومة.

ومن المعروف أن موريتانيا أممت سنة 1974 شركة الحديد ميفيرما (MIFERMA)، بالتنسيق مع الجزائر. وأضيف أن الجزائر وعدت بوضع إطاراتها من مهندسين وخبراء تحت تصرف موريتانيا لتسيير الشركة في حال انسحاب الخبراء العاملين بها، حتى لو كلفها ذلك أن تبحث عن بدائل لتعويضهم لدى الدول الصديقة. ويتذكر العارفون أن الجيش الجزائري رابط أنذاك قريبا من الحدود تحسبا لكل طارئ.

الصديق عند الضيق، يقول المثل المعروف. فحين مرت على موريتانيا أزمة خطيرة في تاريخها الحديث، من ثلاثين سنة خلت، كما يعرف الجميع، أرسلت الجزائر باخرة محملة بكل المعدات والوسائل التي تمكن البلد الشقيق من الدفاع عن نفسه.

وللحقيقة والتاريخ، فإن موريتانيا هي أول من اقترح على الجزائر اللجوء إلى مبدأ تقرير المصير لحل مشاكل المنطقة. وصاحب المبادرة هو المناضل والمثقف الكبير أحمد بابا مسكة، وقد كان وقتها سفيرا لبلاده لدي الأمم المتحدة من سنة 1964 الى سنة 1967. وقد تبنت الجزائر الفكرة ومن وقتها.

غير أن الذي يهزني ويبهجني هو الاف الإطارات التي تكونت وتمرنت في الجزائر. وهي تساهم اليوم بكل كفاءة واقتدار في الدفع بعجلة التنمية في الميادين والقطاعات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في ربوع موريتانيا.

وأختم بأن اتفاقية مسح الديون عن موريتانيا الشقيقة، حملت عنوانا معبرا هو : “مساهمة الجزائر في التنمية الاقتصادية في موريتانيا”، مع التنويه الى عدم الحديث عن المسألة أو الترويج لها. فلا مكرمة ولا منا بين الإخوة.

هذا غيض من فيض، وشذرات تلألأت في ذهني، وأملتها خواطري عن المسار النير الذي سلكته العلاقات بين بلدينا، في غمرة احتفالاتهما بشهر نوفمبر، الذي قال عن شاعر الثورة الجزائرية مفدي زكرياء:

نوفمبر جل جلالك فينا .... ألست الذي بث فينا اليقينا

نورالدين خندودي ـ السفير الجزائري بنواكشوط

زر الذهاب إلى الأعلى