الشنقيطي يحاضر عن الحروب الصليبية والصهيونية المعاصرة أوجه الشبه والاختلاف

الإصلاح – نواكشوط

قدم الدكتور محمد المختار الشنقيطي ورقة هامة في مؤتمر رواد ورائدات بيت المقدس المنعقد في اسطنبول يومي الجمعة والسبت الأول والثاني من شهر نوفمبر الجاري وجاءت الورقة في أربعة عناوين رئيسية هي:

1.       شيء من تاريخ القدس والأمة

2.       شيء من الجغرافيا والسياسة

3.       أوجه الشبه والاختلاف بين الحركة الصليبية في الماضي والصهيونية في الحاضر 

4.       شروط النصر والتحرير

أولا ـ حول النقطة الأولى تعرض الشنقيطي لخلاصات هامة تلخص تاريخ القدس والأمة مستعرضا خريطة العالم الإسلامي عام 1000م وما يعيشه من حالة التمزق الموجودة

بدءا بالدولة البويهية في العراق والدولة القزموية في فارس والهند والدولة الفاطمية المسيطرة على جل الضفة الجنوبية من المتوسط بما في ذلك تونس وليبيا ومصر وجزء من الساحل الشامي والدولة الأموية في الأندلس

وحينما بدأت الحروب الصليبية بعد 95 سنة من هذا التاريخ حصلت تغيرات أخرى فلم تعد الدولة البويهية موجودة في العراق، وسيطر المسلمون الأتراك على كثير من الأناضول في معركة “من زى كارت” سنة 1071م  .

وقد شهدت البلاد الإسلامية حالة من التمزق يمكن تلخيصها في الآتي:

انطلق الزحف الصليبي أساسا من فرنسا ثم من دول أوربية أخرى، منها ألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وغيرها ومساراته هي:

مسار بري يدخل من أوربا جهة الأناضول ومن الأناضول جهة شمال الشام 

مسار بحري ويمر على بعض جزر المارسي في جنوب فرنسا ويمر كذلك على بعض جزر المتوسط وينتهي إلى قبرص ومن قبرص إلى الساحل الشامي.

الإمارات الصليبية:

أسس الصليبيون أربع إمارات في المنطقة على الساحل الشرقي من المتوسط

إحداها وهي أقدمها تأسيسا توغلت في أرض العراق هي إمارة الرها والرها هي ما يسمى بالغرفة في تركيا، وإمارة أنطاكيا وإمارة أرابلوث ومملكة بيت المقدس، وهذه الدويلات الصليبية الأربع تتمركز كلها أو ثلاث منها على ضفة المتوسط الشرقية وواحدة منها تتوغل داخل الأرض العراقية وهي إمارة الرها.

جبهات المقاومة

حركات جبهة المقاومة، ويمكن تقسيمها إلى خمس جبهات:

جبهة الاستنزاف: وهي الأناضول: حيث كان الكثير من الزحوف الصليبية يقضى عليها وهي لا تزال في طريقها إلى الشام  كان يقضي عليها سلاجقة الروم في الأناضول أو دولة الدالشمنت في الأناضول، أيضا فكانت هذه جبهة استنزاف مهمة أضعفت الموجات الصليبية قبل وصولها إلى الشام وإلي القدس.

جبهة الإمداد: وهي الموصل حيث أن أكبر الجيوش عددا جاءت من الموصل إلى بلاد الشام لقتال الصليبين وكانت الموصل دائما مركزا للمدد البشري الذي لا ينقطع، ومن الموصل أيضا بدأت حركات المقاومة مع الزيديين وغيرهم من الأسر الإسلامية المالكة أنذاك.         

جبهة المواجهة: وهي حلب؛ لأن حدودها كانت متاخمة لإمارتين صليبيتين هما إمارة أنطاكيا وإمارة الرها، ويمكن أن نسميها جبهة المواجهة.

جبهة الحسم: وهي دمشق لأنها عاصمة الدولة الأيوبية ومنها انطلقت الجيوش الكبرى إلى معركة حطين الحاسمة والتي لم تترك من الصليبيين إلا فلولا وأشلاء تمت السيطرة عليها فيما بعد من خلال المماليك في مصر.

جبهة التصفية: بعد معركة حطين الحاسمة بقيت جيوب للصليبيين على الساحل الشامي حوالى 90 عاما أو أكثر وكان المماليك في مصرهم الذين صفوها.

هذه الجبهات مهمة جدا لأنها تشكل ما يسمى البيئة الاستراتيجية المحيطة بفلسطين 

ـ معركة حطين 

تراكمت فيها الجهود وقد تجمعت الجيوش التي جاءت من أصقاع شتى وضربت الضربة القاضية في حطين عام 1187م، وتشمل الجهات التي وصلت منها جيوش حطين:

1.       ديار بكر وعينتاب وأورفة وهذه المناطق الثلاثة في تركيا اليوم

2.       الرقة وحلب ودمشق وحماه وهذه المناطق في سوريا اليوم

3.       أربيل والموصل وهذه المناطق في العراق اليوم

4.       القاهرة والسويس وهذه اليوم في مصر

5.       الكرك وعمان وهذه اليوم في الأردن

وبذلك ندرك جليا كيف تشكلت البيئة الاستراتيجية للصراع، وهو ما يشير اليوم إلى النظرة الاستراتيجية التي ينظر بها الإسرائيليون والغرب عموما لهذه المنطقة حيث أن ما يحدث  في مصر وفي الأردن وفي العراق وفي تركيا هذا كله يعتبرونه جزءا من البيئة الاستراتيجية المؤثر تأثيرا جوهريا علي الصراع.

ثانيا : وحول النقطة الثانية تعرض الشنقيطي إلى مكانة القدس وفلسطين في الجغرافيا الإسلامية، وبين بالخرائط أن القدس في القلب من الجغرافيا السياسية الإسلامية، وهي مركزه وسويداؤه وفي المقدمة منه

 فالقدس هي شغاف القلب من البيئة السياسية لأنها توجد في وسط العالم الإسلامي وهي نقطة التقائه البري والبحري، فهي الهلال الإسلامي كما وصفه جمال حمدان. 

وهنالك نظريات حول بنية الجغرافيا الإسلامية حيث يقول الدكتور جمال حمدان عالم الجغرافيا الإسلامية المصرى الشهير والداعم للقضية الفلسطينية والحامل لهمها: “إن العالم الإسلامي في شكل هلال له قلب وله جناحان؛ فالقلب هو الجزيرة العربية والعراق والشام والجناحان أحدهما ممتد في جنوب آسيا هو الجناح الأيمن أو الشرقي والثاني ممتد في شمال إفريقيا”.

والحقيقة يقول الشنقيطي هي أننا لما نتأمل الخريطة الإسلامية فهي أقرب إلى الصقر، كما توضح ذلك الخريطة الجغرافية للعالم الإسلامي، ولو قسمنا هذا الصقر الإسلامي لوجدنا رأسه وجناحاه الشرقي والغربي؛ فرأسه هو الأناضول وقلبه الشام والعراق والجزيرة العربية وله جناح مشرق في جنوب آسيا وجناح مغرب في شمال إفريقيا.

 ويستطرد الشنقيطي : إذن هذا هو هيكل الصقر الإسلامي، ورأسه مهم لأنه لما أراد الآخرون قطعه من الجسد الإسلامي لعقود طويلة (في إشارة إلى تركيا الأتاتوركية) أعاده الله علينا بسلام بعد طول انقطاع، ويضيف: لو نظرنا إلى القدس في الخريطة سنجد أنها في القلب من هذا الطائر، فهي قلب القلب؛ يعني في شغاف القلب تماما فالذي طعن القدس طعن هذه الأمة في شغاف قلبها، ولو كانت القدس في مكان غير القلب لما حصل كل هذا الألم.  

ثالثا : حول النقطة الثالثة يرصد الشنقيطي أوجه الشبه والاختلاف بين الحركة الصليبية في الماضي والصهيونية في الحاضر فيقول إن هنالك أوجه تشابه بين الحركة الصليبية القديمة والحركة الصهيونية الحديثة وذكر منها:  

أوجه الشبه:

ـ         زاد عريق من الخرافات والأساطير الدينية في التجربتين

ـ         استعمار واستيطان احتلالي في أرض فلسطين

ـ         حركة شعبية قاعدية مدعومة بالسياسة كل من الحركتين بدأت شعبية ولم تبدأسياسية

ـ         تجمع من بلدان شتى على أساس الدين الواحد

ـ         استعلاء وعدم اندماج في المنطقة

ـ         جيش سريع متحرك لكنه قليل العدد

ـ         عدم القدرة على امتصاص الهزيمة

ـ         مجتمع عسكري بلا جذور في المنطقة

ـ         ضيق النشاط الجغرافي في المنطقة.

أوجه الاختلاف

ـ         مسيحية كاثولوكية قديمة مقابل يهودية مدعومة ببروتستانتية للتجربة الصهيونية

ـ          شرعية بابوية قديما مقابل شرعية العرق والدين في التجربة اليهودية المعاصرة

ـ         سيطرة شاملة للغرب اليوم مقابل سيطرة موضعية لصليبيين في الماضي

ـ         سيطرة شاملة لبروتستانتية؛ الآن يدرس الصهاينة الحركة الصليبة

وفي قراءة الصهاينة للحروب الصليبية هنالك التركيز على مملكة القدس وليس على الإمارات الصليبية الثلاثة الأخرى. ويقول الشنقيطي إن ما يهمنا هو استخلاص العبر منها:

  • إبراز الاضطهاد المسيحي في القرون الوسطى لتلك الحملات استدرارا لعطف الغربيين المعاصرين
  • إظهار فشل الصليبين خصوصا في معركة حطين
  • التقليل من شأن القادة المسلمين البارزين من أمثال صلاح الدين الأيوبي.
  • من الدراسات الصهيونية المعاصرة للحملة الصليبية هو تماهي الإسرائليين المعاصرين مع المستوطنين الصليبين في العصور الوسطى
  • التأكيد على الانتماء الإسرائيلي لأوربا والمبالغة في أي جهد لمساعدة الصليبين مع أنه لا يوجد في الحقيقة
  • والأهم من كل هذا هو غلط صريح وضمني دائم في الدراسات الإسرائيلية عن الحركة الصليبية واعترافهم بالمصير المشابه للحركة الصليبية.

 رابعا : في النقطة الرابعة تعرض الدكتور الشنقيطي لطريق النصر والتحرير وأكد أن عوامل نصر المسلمين في الماضي ضد الصليبيين ثلاثة هي:

1. سماه المؤرخ الفرنسي كلود كامل إعادة التسلح الأخلاقي ويقصد الإحياء الديني والأخلاقي ويقصد بالذات الإحياء السني.

2. الوحدة بين الأقطار المختلفة حيث علينا أن نتذكر كما يشير إلى ذلك الباحث: من أين جاءت الجيوش المختلفة في معركة حطين؛ من العراق ومصر والأردن والأناضول والشام؟

3.       القيادة السياسية ذات الالتزام والكفاح.

وتحدث الشنقيطي عن كيفية تحقيق النصر وعوامل ذلك فقال: ننتصر بنفس الشروط لكن بلغتنا المعاصرة وهي:

1.       تفعيل الأخوة الإسلامية وإحياء الأرحام الدينية والثقافية بين المسلمين وهذا التجمع تجسيد لذلك.

2.       تجدد الثقافة السياسية في البلدان الإسلامية والتخلص من عوامل التمزق والخذلان

3.       اكتمال التحول الديمقراطي الذي يجعل القادة السياسيين ملتزمين بالقدس تبعا لالتزامهم

ويرى الشنقيطي أن عماد هذا الأمر كله الذي يحقق شروط عوامل النصر، هو تعافي البيئة المحيطة بفلسطين، ففلسطين قد تحررت في الماضي بتعاون الكتلة السياسية وهي العراق والأناضول ودمشق ومصر، وهذه في الغالب هي البيئة الاستراتيجية المحيطة بفلسطين فتعافيها شرط من شروط التحرير ولذلك تتركز جهود القوى الداعمة للمشروع الصهيوني على تهشيم الباقي من هذه البيئة، فكلما تحسنت هذه البيئة أخلاقيا وسياسيا كلما اقتربنا من التحرير.

زر الذهاب إلى الأعلى