الاحتفال بالمولد النبوي.. خاطرة/ أحمد أبو المعالي


كلما هل شهر ربيع الأول تناثرت معه الفتاوى المختلفة والآراء المتضاربة يمنة ويسرة تناثر حبات السحبة ودخل البعض في حيص بيص وتداولوا الحديث في هياط ومياط وضربوا الأقوال أخماسا بأسداس حتى ليخيل إليك أنك ترى”مثار النقع فوق رؤوسنا” بخصوص الاحتفال باليوم الثاني عشر منه احتفاء بمولد المصطفى صلى الله عله وسلم ..ورغم أنه لاجديد في الحديث وإنما نردد “معارا ..ومعادا من قولنا مكرورا ” راكمه السجال المفتوح إلا أن الإشكال ذاته يعود جذعا وتتجلى الحدية أحيانا في طرفي المعادلة من ” بدعة ” تندرج ضمن الضلالة المنهي عنها في حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه إلى ما كاد يشبه الفرض أو الواجب في الطرف المقابل (والمشبه بالشيء لايقوى قوته).. لكن ذلك لايمنع من نظرة لاتميل ذات اليمين ولا ذات الشمال وسطا بين الإفراط والتفريط وفي هذا السياق تتنزل هذه الخاطرة أملا في الوصول إلى كلمة سواء تخفف من حدة الخطاب في هذا السياق
من المعروف أنه في معظم الدول الإسلامية تشرف المؤسسات الدينية الرسمية، وأحيانا غير الرسمية على مسابقات كبرى في حفظ القرءان الكريم وتجويده وتفسيره ويشرف على المسابقات خيرة العلماء والحفاظ من أهل الحل والعقد ويشاركون في لجان التحكيم أو لجان الإشراف وأقل الإيمان الثناء على هذه المسابقات بما هي أهله والإشادة بها وتحفيز النشء للمشاركة فيها ..وتصرف فيها الأموال الطائلة ..وتنتقى لجان متخصصة وينتظم المتسابقون ليطلب من كل منهم قراءة جزء محدد من القرءان الكريم أو تجويده أو تفسير بعضه ..وبعد الفرز تعلن النتائج .. وتتهاطل التهاني على الفائزين وتنهال كلمات المشايخ ثناء وتمجيدا لهم وشكرا لرعاة الحفل واعتبار ذلك من أعظم القربات وأحيانا تكون الجوائز مغرية جداا ..والسبب واضح كما يبين العلماء والمشايخ أن مثل هذه المسابقات ضرورية لخدمة القرءان الكريم والتحفيز على حفظه والتعلق به..وهي دليل على خيرية هذه الأمة وتعلقها بالكتاب الكريم وهي نوع من التعظيم المطلوب لهذا الكتاب العزيز الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
لكن بعض هؤلاء المشرفن على هذه المسابقات مساء لاينشب أن يصدح صباح اليوم الموالي ملء علمه وفهمه ناهيا بأقوى عبارات الزجر عن الاحتفال بالمولد النبوي واعتبار ذلك بدعة لم يأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم ولا فعلها خلفاؤه الراشدون ولا الصحابة رضوان الله عليهم ولا سلف هذه الأمة .ونحن في هذه القرون المتأخرة لسنا أشد حبا للنبي صلى الله عليه وسلم منهم ولا خير في ” مبتدع ” لم يأذن به الله تعالى ولم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه ولا صحابته رضوان الله عليهم وهي كلمات حق لكنها هنا لم تكن في سياقها ولم توفق في “تحقيق مناطها” .فلم لم يسال أي من هؤلاء المشايخ نفسه عن السر وراء مساهمته أو تزكيته البارحة لنشاط المسابقات القرءانية أو مباركتها أو السكوت عنها وهي ليست واردة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفعلها الخلقاء الراشدون ولا القرون المزكاة فلم يثبت أنه كانت هناك مسابقات يجازى فيها الفائزون بهدايا مادية بل كان العنوان الرئيسي للقرءان الكريم حفظا وتجويدا هو الجزاء الأخروي فقط.. مثل الحديث المعروف “مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ ألم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ ” ولم يقل إن صرف تلك الأموال في المسابقات تبذير وإسراف في أمر ما انزل الله به من سلطان وليس له سنن في سلف الأمة عبر تاريخها
وبالتأكيد فإن المقارنة واردة هنا فلقد كان الصحابة رضي الله عنهم والتابعون متعلقين بالقرءان الكريم .ومنهمكين فيه لاتلهيهم عنه تجارة ولا بيع فلم يكونوا بحاجة لمثل هذا التحفيز والتشجيع .ولكن لما فترت الأنفس وضعفت الهمم كانت مثل هذه المسابقات القرءانية تحفيزا للطلاب وترغيبا لهم ..ولقائل-أن يشاكل منكري الاحتفال بالمولد النبوي – فيعترض قائلا إن مثل هذه المسابقات التي تحتوي جوائز قيمة لم يفعلها الصحابة رضوان الله عليهم ولم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع “صغار” المدينة و”حفاظها” وأجرى بينهم مسابقات في حفظ القرءان الكريم وأشفعها بميزات مادية ولم تنقل كذلك عن خلفائه .. ولسنا بأحرص منهم على نشر كتاب الله تعالى ولا تعظيمه وهم الذين تبوأوا الدار والإيمان.قل آلله اذن لكم أم على الله تفترون!! لقد فقتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علما !!
.. إن المشكلة هي مثل هذه الأمور هي النظر من زاوية غير زاوية الرؤؤية المطلوبة وإخراجها من سياقها إلى سياق آخر..
ولنا أن نقول الشيء ذاته في المولد النبوي فلم يكن الصحابة رضوان الله تعالى وسلفهم من التابعين يحتاجون لما يذكرهم بالنبي صلى الله عليه وسلم فكان حاضرا في أذهانهم كل ءان وكل حين ويتذكرونه الأيام كلها فلما تباعد الزمن وتخلخلت النفوس احتيج لتذكير الناس بهذا اليوم الذي أنعم الله فيه على البشرية بميلاد سيد الوجود صلى الله عليه وسلم ..وما الأفراح والموائد وإكرام الناس إلا للتحفيز على تعطيمه وتوقيره واستبشارا بأجمل يوم طلعت فيه الشمس على البشرية تماما كما تؤسس المسابقات القرءانية للغرض ذاته والهدف عينه..فلنتأمل ولنتدبر..فليس من المستساغ عند بعضهم تفهم” بدعة” المسابقات القرءانية والتحسس من ” بدعة” المولد النبوي الشريف!!
تأمل صاح هاتيك الروالي.. فذاك التل أحسبه انارا.
ثم إن الحديث عن “عيدين” لاغير في الإسلام في هذا النطاق دعما لحجج المنكرين تلاعب بالألفاظ فمتى كان الاحتفال مرتبطا بالأعياد فقط ؟ وما كانت كلمة العيد مرتبطة بالعيد الذي حدده الشارع في الحديث المعروف لاغير؟
فهذه حفلات الأفراح بمختف تجلياتها لاتحيلها تلك ” الأفعال” إلى أعياد تخالف النص الشرعي في تحديد أعياد الإسلام .. ذلك أن المصطلحات الشرعية لها دلالالتها ” و”العيد” بالمفهوم الشرعي مرتبط بنسك معين حدده الشارع سلفا ولم يقل أي مسلم أحرى أي عالم أن هناك ” شعائر” محددة بدلالتها الشرعية في الاحتفال بالمولد النبوي..والذين يعتبرونه “عيدا” لايضاهون به الأعياد الشرعية المحددة ويضيفون لها من عند أنفسهم “عيدا” جديدا إنما يقصدون أنه مناسبة للفرح والسرور وما يلزم ذلك من مظاهر لاتخالف الشرع دون تحديد ..ومن هنا فلا مشاحة في تسميته عيدا انطلاقا من البعد اللغوي والاحتفائي.
فلا يعدو أن يكون أن يكون سرورا تذكيرا بنعمة إرسال النبي صلى الله عليه وسلم في عالم أصبحت “الذكرى” فيه جزءا من تقاسيم حياتنا وهي فرصة لإظهار السعادة والبشر بهذا الحدث الهام وهو ما عبر عنه العلامة الشيخ محمد المامي رحمه الله تعالى بقوله”
نﺪﺏ ﺍﻟﺴﺮﻭﺭ ﻟﻤﻌﺪﻥ ﺍﻷﺳﺮﺍﺭ == سعد ﺍﻟﺒﺸﺎﺋﺮ ﻣﻨﺒﻊ ﺍﻷﻧﻮﺍﺭ
ﺷﻬﺮ ﺍﻟﺮﺑﻴﻊ ﺍﻷﻭﻝ ﺍﻧﺠﺎبت ﺑﻪ == ﻗﻄﻊ ﺍﻟﻈﻼﻡ ﻋﻦ أوﺟﻪﺍﻷﻗﻄﺎﺭ
فقد سلك الشيخ رحمه الله تعالى مسلكا وسطا في ذلك له دلالته وأهميته.
ولو تأملنا من هذه الزاوية بعين الموضوعي لوجدنا أن مالكا رضي الله عنه إذا أراد أن يجلس للحديث الشريف يغتسل ويتبخر ويتطيب،إكراما لحديث النبي صلى الله عليه وسلم فإن كان سبقه إليها غيره فلم لم تنقلوا ذلك لنا وكتم العلم وقت الحاجة غير جائز؟ وإذا لم يكن فعلها الصحابة رضي الله عنهم فقد خالفهم إمام دار الهجرة رضي الله عنه في مقام يريد فيه الأجروالثواب وهو المعروف بالحرص على الاتباع فبأي كتاب أم بأية سنة – بمنطق المنكرين -يعظم حديث النبي صلى الله عليه وسلم بما لم يعظمه به الصحابة رضي الله عنه بل وأكثر من ذلك أصبحت من “آداب” المحدث ولم يعترض عليها عالم أو شيخ ؟
وروي أنه كان رضي الله عنه لايلبس النعال في المدينة المنورة احتراما لأرض كان يمشي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينقل أن أحدا من العلماء انتقد ذلك او اعتبره مخالفا لفعل الصحابة رضي الله عنهم وهم أشد حرصا على اتباع آثار النبي صلى الله عليه وسلم واحترامه وتقديره. والصفتان تعدان من مناقب الإمام مالك رضي الله عنه عند الحديث عن شخصيته الفذة رضي الله عنه
تدل تلك الأفعال من الإمام مالك رضي الله عنه وتقرير العلماء لها بالسكوت عنها ونقلها أن ما يدل على التعظيم في مجال”المسكوت” عنه لايعد بدعة بالمعنى الشرعي مالم يرتبط بسياقات أو تجاوزات كتقرير “شعيرة “محددة في المولد النبوي مثلا.. فذلك مما لم يأذن به الله..فتبين مما سبق أن ” عيدية” المولد النبوي لا تخالف الحديث المعروف إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا يَوْمَ الْأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ” كما يتوهم البعض لأن الحديث متمحض للدلالة الشرعيةالمحددة فقط أما الحديث عن سر الاحتفال في شهر انتقل فيه صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى وهو أدعى للحزن فاعتراض يثير من نقع الغرابة أكثر مما يثيرمن غبار العلم .. فمتى كان الإسلام دين حزن دائم وندبة مستمرة ؟
وهل نحن مطالبون بالاستمرار ب”شكر النعمة ” أم بالتشبث ب”حزن المصيبة”
؟
وخلاصة القول أنه على من يعتبرونه “بدعة” أن يكون الأمر بالنسبة لهم لغويا فقط لأن الكل متفق على أن أي جديد يعد “بدعة” ولو حكمنا بالتلازم بين المعنى اللغوي والشرعي لألغينا كثيرا من الأمور التي اعتبرها العلماء” سنة حسنة” في الإسلام لكونها في سياق “ما شهد الشرع لجنسه” أو “لاندراجه تحت القواعد الشرعية” وأفعال الصحابة وأقوالهم والتابعين والعلماء في هذا النطاق مشهودة ومبثوثة في مظانها ومقولة الإمام الشافي رضي الله عنه في “المحدثات” والتفريق بينها انطلاقا من مخالفتها أو موافقتها للكتاب والسنة مشهورة ولنا منه رحمه الله تعالى نصيب فهو تلميذ الإمام مالك رضي الله عنه -وهنا أستطرد ملحة يذكرها بعضهم أن تنافسا اشتد بين حلقات طلاب الأزهر الشريف وخاصة بين المالكية والشافعية وكل يغني على ليلاه فكتب أحد طلاب الشافعية على سارية حلقتهم “تعالوا إلى المذهب النفيس.. مذهب الإمام محمد بن إدريس.. فجاء طالب من حلقة المالكية وكتب تحته “وكيف لا يكون كذلك..وهو تلميذ الإمام مالك”- ولا مشاحة في الدلالات اللغوية .ومن يعتبرونه ” عيدا” ينظرون من زاوية الحقيقة اللغوية ة فقط لأن الكل متفق على عدم وجود عيد ثالث في الإسلام انطلاقا من الحقيقة الشرعية والحديث السابق جلي في الموضوع ..
فحبذا لو وصلنا إلى كلمة سواء تتجاوز حدة الخطاب في الخلاف ويرضى الجميع بتجاوز التنابز بالتبديع أو عدم المحبة ..
وختاما
صلاة ربي مع السلام… على حبيبي خير الأنام
أحمد أبو المعالي

زر الذهاب إلى الأعلى