نظرات من ترجمة البخاري/ إبراهيم أحمد سالم

تعطينا النصوص المبادئ بينما تمنحنا تراجم الأخيار كيفية تطبيق هذه المبادئ ، فلانبقى نعيش في دائرة التنظير الواسعة بل ننزل إلى مرحلة التطبيق التي ترينا الممكن فعله وكيفية الفعل ، فنرى المبدأ ولكن في صورة التنفيذ ، وتطبيقا لهذه الفكرة سنقف في هذا المقال عند لقطات مختارة من ترجمة البخاري رحمه الله نستلهم منها دروس الحياة:
١_ اللطف الخفي وصناعة الكبار:
قال تعالى : إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ.
تعليقا على قصة يوسف عليه السلام وكيف مرّ بمراحل متعددة يحار فيها العقل ليكون أخيرا عزيز مصر وحقيقة اللطيف : الذي يوصل الإحسان إلى غيره برفق ، ومن الحكم التي تروى : إذا أراد الله أمرًا هيّأ له أسبابه.
(قال والد أبي عبدالله البخاري : عندما دخلوا عليه عند الموت : لا أعلم من مالي درهما من حرام ، ولا درهما من شبهة ).١
لنتأمل كيف يحضّر الله من اختاره لجلائل الأمور فيلطف به من أبيه فيحفظ أصله من أسباب الضلال ليتربى الإبن في بيئة ترعاها العناية الربّانيّة..
٢- دعاء الأخياروأثره:
قال صلى الله عليه وسلم ” أنا دعوة أبي ابراهيم “٢
إشارة إلى أنّ الله استجاب دعوة ابراهيم عليه السلام فيه “رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ ” فانظروا إلى عظمة الدعاء .
يقال : من أقوى ما يملك الإنسان الدعاء.
(قال أبو عيسى الترمذي : كان البخاري عند عبد الله بن منير ، فقال : جعلك الله زين هذه الأمّة .
قال الترمذي : استجيب له فيه.
الذهبي تعليقا على القصّة : ابن منير من كبار الزهّاد )٣
فانظر كيف نظر الترمذي إلى هذا الدعاء للبخاري من شيخه وأثره فيه ، وكيف دعّم الذهبي هذا النظر بتقويمه لابن منير أنّه من كبار الزهاد يلمح بذلك إلى أنّه ممن يرجى استجابة دعائه.
٣ _ اقتناص بذور الأفكار:
يقول الجنيد رحمه الله : من أخّر الفرصة عن وقتها فليكن على ثقة من فوتها.
طبيعة الأمور في الحياة أن تكون ثمّ فرص سيفوز بها البعض فقط.
وألمح هذا المعنى في تعبير الآية “سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ” وعدم الاكتفاء بالتعبير الآخر ” وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ” فالفوز ببعض الأمور يستلزم المسابقة والمنافسة.
(قال البخاري :كنت عند إسحاق بن راهويه فقال بعض أصحابنا : لو جمعتم كتابا مختصرا لسنن النّبي صلى الله عليه وسلم ، فوقع ذلك في قلبي ، فأخذت في جمع هذا الكتاب ” يقصد كتابه الصحيح “)٤
نحتاج المبادرة إلى المشاريع الجميلة عندما نسمع البعض يعطينا أصول أفكارها، ولا نضيع فرصة السبق إليها وتبنّيها.
٤ – العمل النّوعي الذي يعتمد عليه:
في الحديث أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ لِبِلَالٍ: عِنْدَ صَلَاةِ الفَجْرِ يا بلَالُ حَدِّثْنِي بأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ في الإسْلَامِ، فإنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بيْنَ يَدَيَّ في الجَنَّةِ قالَ: ما عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِندِي: أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طَهُورًا، في سَاعَةِ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، إلَّا صَلَّيْتُ بذلكَ الطُّهُورِ ما كُتِبَ لي أَنْ أُصَلِّيَ.٥
يلفت الحديث انتباهنا إلى أنّه ينبغي للمؤمن أن يكون عنده عمل مميز يرجو ثوابه عند الله عز وجل.
(قال البخاري: صنّفت الصحيح في ستّ عشرة سنة ، وجعلته حجّة فيما بيني وبين الله تعالى) ٦
هنا يلمح أبو عبد الله إلى معنى تربوي مهم وهو أنّه ينبغي أن يكون للمؤمن عمل يجتهد في نوعيته وقوّته يكون حجّة له بين يدي الله ، وهذا مارأى أنه فعله في تصنيفه لكتابه الصحيح واجتهاده في تأليفه .
٥ _ التمّيز في العمل:
في الحديث “إنَّ اللهَ يحِبُّ إذا عمِلَ أحدُكم عملًا أنْ يُتقِنَه” ٧
فينبغي أن نحسن التفكير حتى نحسن العمل ويكفي الإحسان فضلا أنّ فيه تخلّق بأخلاق الله فقد الله تعالى عن نفسه ” الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ “
(البخاري : لم تكن كتابتي للحديث كما كتب هؤلاء “يقصد طلبة الحديث ” ، كنت إذا كتبت عن رجل سألته عن اسمه وكنيته ونسبته وحمله للحديث) .٨
انظر للتفكير الجيّد عند هذا الرجل وإبداعه في طريق التحصيل ، في الحياة قاعدة مهمّة ” ليس المهم أن تفعل فقط بل كيف تفعل ؟ ” لذلك ورد في الحديث ” كتب الله الإحسان على كل شيء”
مثّل الحديث باللقطة الأخيرة في الحياة ” إذا قتلتم فأحسنوا القتلة ” لينبّه على قيمة الإحسان في الحياة من باب الأولى ، ولذلك كان البخاري يقول : صنّفت كتبي ثلاث مرّات .
١ـ ١٢/٤٤٧سير أعلام النبلاء للذهبي
٢ _ ٤/٢٤١ مسند أحمد ، أحمد شاكر : إسناده صحيح.
٣ ـ١٢/٤٣٣ سير أعلام النبلاء للذهبي
٤_ ٢٢١/٢ طبقات السبكي
ه_ صحيح البخاري / ١١٤٩
٦_ ١٢/٤٠٥سير أعلام النبلاء
٧_ ٣/٣٨٢ إتحاف الخيرة المهرة للبوصيري
٨_ ١٢/٤٢٠ سير أعلام النبلاء
.