معا ضد الصفقة والتطبيع/ الحسن ولد القاسم

نختلف عادة في أغلب المواضيع المثارة في الساحتين العربية والإسلامية، حول القضايا السياسة الجزئية وحتى الكلية نختلف، حول القضايا الاجتماعية، الإقتصادية، الرياضية..وهو في أصله اختلاف محمود ومطلوب، غير أنَّه
بسبب قهر هذه الأمة واضطهادها سياسيا وثقافيا، وحرمانها من أبسط مبادئ الحرية في الرأي والتفكير أصبح هناك من يقبلون بل ويدعون إلى فتح مجال الرأي والرأي الآخر ولو كان ذلك _ الرأي الآخر _ متعلقا بمسلمات ديننا وثقافتنا الإسلامية، لكي يصير كل شيء خال من قيمته الأساسية، فيبقى كل قول أوكلام “مجرد قول أوكلام يحتمل الصواب والخطأ” وتكون كل قضية مثارة في ساحتنا الإسلامية مجرد قضية تختلف أذواق ونظرات وآراء الناس حولها فيحق لكل أن يبدي رأيه فيها أو يكون حياديا فله أن يشجعها ولعمر أن يناصر من يتحامل عليها أويقف ضدها.
ونتيجة لما تقدم فإن أصحاب هذا الطرح مع الوقت سنجدهم ينظرون إلى قضية الأقصى وبيت المقدس_ والصراع الوجودي بين الصهاينة المحتلين وشعوب الأمة وعلى رأسهم شعب فلسطين_على أنها مجرد مشكلة ككل تلك المشاكل التي يعج بها العالم ويختلف حولها الناس، فهناك من يناصرها ويدافع عنها وفي نفس الوقت هناك من يعيش عليها ويستخدمها، وهي في نظرهم ليست إلا مثل الصراع الصوتي الدائر بين إيران والسعودية، والمسلح بين تركيا والأكراد، وما يجري بين الولايات المتحدة والصين..إلخ.
وهذا ما نريد من خلال هذه السطور أن نفنده ونهدم أسسه فقضية الأقصى وبيت المقدس ليست شجارا عابرا ولا استعمارا وإنما هي احتلال واستيطان والفرق بين الأمرين باد وجلي، كما أنها بالأحرى ليست خلافا وإنما هي صراع وجودي لا يقبل القسمة على اثنين والنصر فيه حليف هذه الأمة إن شاء الله ذلك طال الزمان به أم قصر ويمكرون و”يمكر الله والله خير الماكرين”
وما دامت ليست شيئا مما تقدم فإن قياسها على تلك الصراعات قياس مع وجود الفارق ، وهي بذلك معركة لا تقبل الحياد ولا الإختلاف حولها، ويجب على كل مسلم وحر أن ينصرها ويقدم الغالي والنفيس من أجلها ويدافع عن حملة رايتها ومشعلها مستشعرا الثواب الجزيل المرتب على إعانة المظلوم وتجهيز الغازي والله في العبد ما كان العبد في عون أخيه.
إن تطبيع هذا الصراع وتحريف وتحوير مفاهيمه، وتضليل الرأي العام الإسلامي حول مفرداته وأحداثه لخطر محدق لاينبغي لنا أن نبقى مقلبين لأنظارنا حوله فاغرين لأفواهنا نشاهده، بينما عقول شعوبنا تخترق وقيمنا تهدم ويدب في نفوسنا الخذلان والتكاسل والتقاعس تحت شعارات الإعتناء بمشاكلنا الوطنية القطرية، وتقدير أولوياتنا أو بحجة أن الفلسطينين أنفسهم مختلفين قول قضيتهم فلمذا نتفق نحن حولها أو نتحمل وزرها؟! وهذه أيضا كلها مفردات تسللت إلى عقولنا عن طريق ألسنة خبيثة وأقلام مأجورة ووكالات أنباء عميلة.
إن موجة التطبيع الأخيرة هذه ليست هي المحاولة الأولى التي يخوضها الإحتلال والصهاينة ومن شايعهم من بني جلدتنا وأوطاننا -حتى لا أجزم أنهم من بني ديننا- ولكنها تبدوا وكأنها الأخطر وهذا أمر طبعي وفقا للمعايير العلمية والعقلية لأن المحاول في أي مجال يكتسب الخبرة والتجربة من كل محاولة يخوضها ويتجنب أغلاطا وأخطاء كبيرة في أي مغامرة أخرى سيدخلها، واليهود من زهاء القرن ونصفه وهم يمكرون ويخططون ويُتْبعون المحاولة
بالأسوء منها، ليصلوا إلى الإستيطان والإستقرار الدائم على هذه الأرض المقدسة وفي كل مرة يهزم جمعهم ويكتشف مكرهم ثم لايملون فيرجعون ويحاولون، ولكنهم بإذن الله مهزومون ويومئذ يفرح المومنون.
ولن يحتاج المشاهد لحراك هذه الأمة النابضة بالحرية القابضة على جمر النضال والجهاد في شتى الميادين وعلى مختلف الأصعدة لباعث أمل أكثر من مشاهد الإنتفاضات في كل شبر من أرضها حيث يزف الشهيد خلف الشهيد ليسطر حروف ملحمة هدم المخططات ويعري سوءات أمراء تلك الممالك المطبعة والدويلات، ثم تشيعه في خاتمة عرسه حناجر الأمة الصادحة ب”معا ضد كل أنواع التطبيع والصفقات”.

زر الذهاب إلى الأعلى