وقفات مع العلامة الدكتور محمد المختار بن محمد الأمين الشنقيطي(ترجمة)/ د.إسماعيل الشريف

بسم الله الرحمن الرحيم

وقفات مع علم من أعلام شنقيط هو (د. محمد المختار بن محمد الأمين الشنقيطي-رحمه الله)[1]

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين  وبعد: فإن تراجم العلماء امتداد لسير الأنبياء لأنهم ورثتهم وهم محل القدوة والاعتبار بعدهم وذلك لأن الأصل في أخلاقهم وصفاتهم أن تكون تنفيذا لشرع الله لما يتخلقون به من امتثال الأوامر واجتناب النواهي والالتزام بالآداب الشرعية، ومن بين أولئك العلماء العاملين-كما أحسبه ولا أزكي على الله أحدا- شيخنا وعالمنا أبو حسن رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.

وهذه  وقفات مختصرة ونبذة من سيرته وحياته لعلنا نقتبس شيئا من علمه وخلقه رحمه الله وغفر له.

الاسم : الأستاذ الدكتور محمد المختار بن محمد الأمين اليعقوبي الجكني الشنقيطي

ميلاده ونشأته : ولد ببلاد شنقيط الولاية الثالثة (ولاية لعصابة) عام 1945م

الوظيفة : كان أستاذا مشاركا في كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية

الدراسة المحظرية:

درس في بلاد شنقيط القرآن الكريم ومبادئ العلوم العربية والإسلامية

وصوله إلى الحجاز وملازمته والده:

ارتحل شيخنا إلى الحجاز عام 1385هـ الموافق 1965م فلازم والده العلامة محمد الأمين وأخذ عنه العلم وكان يطرح عليه ما يشكل عليه من مسائل وأسئلة وربما خالفه في بعض المسائل والآراء وكان والده يعجبه ذلك ويقره عليه، وربما قرأ عليه بعض ما يكتب من تفسيره” أضواء البيان”، ودرس على بعض المشايخ الآخرين .

-التحق بالمدرسة الابتدائية وحصل على شهادتها في سنة واحدة ، ثم دخل المعهد العلمي فدرس فيه المرحلتين المتوسطة والثانوية، وأكمل الثانوية في معهد الجامعة الإسلامية ، ثم التحق بكلية الشريعة وتخرج فيها عام 1396هـ الموافق 1976م

أبرز مشايخه:

1-والده العلامة محمد الأمين الشنقيطي

2-الدكتور عمر عبد العزيز محمد العراقي وهو الذي أشرف على رسالتيه للماجستير والدكتوراه وكان أستاذا له في المرحلتين ولازمه طويلا وأفاد من علمه ومنهجه

3-الشيخ عبد المحسن العباد

من تلاميذه:

تتلمذ على شيخنا عدد كبير في الجامعة الإسلامية وفي معهد الخطباء بجامعة طيبة وفي الحرم وفي عدد من مساجد المدينة المنورة وملتقياتها العلمية ،وبيته وفي درس الجالية وفي أسفاره ممن يتعذر عدهم تقبل الله منا ومنه وأكتفي بأمثلة منهم.

1-د.محمد سيدي عبد القادر

2-د.عامر بهجت

3-الشيخ عبد الوهاب إيجي النيجيري

4-د. أمين السالك بن حوية الجكني

5-مولاي إسماعيل القرشي الشريف –كاتب هذه السيرة- وقد درست عليه مذكرة والده العلامة محمد الأمين ، ومقدمات الموافقات ،والتقريب في أصول الفقه أثناء تبيض نصه وكنت أسجل ما يشكل علي من معانيه فأسأله عنه فيجيبني ، كما عملت معه فترة من الزمن حيث كنت أكتب له بعض المخطوطات التي حققها وخاصة التقريب لابن جزي ولقطة العجلان وربما قرأت عليه بعض الرسائل العلمية ليلاحظ عليها وأفدت من دقة ملاحظاته وتنبيهاته العلمية الرائعة وكان ذلك أثناء دراستي بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة فنعم الشيخ كان علما وخلقا.

-كانت له دروس خارج الجامعة درس من خلالها العديد من الكتب ومن أهم ذلك حضوره درس الجالية الذي كان يحضره متعلما ومعلما وهو استمرار لدرس والده رحمهما الله حيث دُرِست فيه أمهات الكتب من : تفسير وفقه وحديث ونحو كما يتم فيه الكثير من المناقشات العلمية وذلك لأنه درس نخبوي تحضره نخبة من العلماء وطلاب العلم، وقد تولى فيه شيخنا تدريس البلبل في أصول الفقه ورسالة الإمام الشافعي والموافقات للشاطبي والقواعد للعز بن عبد السلام إلى غير ذلك.

بعض الكتب التي درسها الشيخ لمختلف الطلاب كل حسب رغبته ( في الحرم والمساجد وفي بيته العامر-رحمه الله ):

(الرسالة للإمام الشافعي ،جمع الجوامع لابن السبكي ، الإحكام للباجي ،روضة الناظر ، المذكرة، مختصر الروضة للطوفي (البلبل)،الموافقات للشاطبي، التنقيح للقرافي، التقريب لابن جزي، نثر الورود شرح المراقي ،لقطة العجلان ،سلاسل الذهب للزركشي، ،بديع النظام لابن الساعاتي، آداب البحث والمناظرة.

وفي التفسير: تفسير النسفي، دفع إيهام الاضطراب.

 وفي الفقه: القوانين الفقهية، وقواعد الأحكام للعز بن عبد السلام..)وغيرها كثير.

من جهوده العلمية :

-حصل  على الماستر بتحقيق كتاب شرح المراقي للمرابط محمد الأمين بن زيدان الجكني عام 1401هـ في كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية وعين معيدا بها.

-نال الدكتوراه في أصول الفقه بتحقيق كتاب : سلاسل الذهب للإمام للزركشي عام 1404هـ

أهم أعماله الأكاديمية :

-عمل معيدا أثناء دراسته للماستر

-درس مادة العقيدة في كلية اللغة

-درس مادة الفقه المقارن بمستوياتها الأربعة في كلية الشريعة

-درس مادة أصول الفقه بمستوياتها المختلفة في كلية الشريعة ،وفي المرحلتين الماستر والدكتوراه في الجامعة الإسلامية وفي غيرها من الجامعات

-قام برحلات علمية زار خلالها العديدة من المكتبات واطلع على العديد من المخطوطات المهمة ولاسيما في بلاد شنقيط ومصر والمغرب..

من أبرز مهامه الإدارية  ونشاطاته الثقافية والدعوية:

-ناقش وأشرف على  العديد من الرسائل العلمية في المرحلتين في مادة تخصصه الأول (أصول الفقه)

-ترأس قسم أصول الفقه بالجامعة الإسلامية مرتين

-كان عضوا لمجلس كلية الشريعة بالجامعة.

-وعضوا للجنة التعليمية بها

-وعضوا بإدارة النشاط بها

-شارك في وضع العديد من المناهج في كلية القرآن الكريم ،وكلية اللغة، وكلية الحديث بالجامعة الإسلامية.

-قدم العديد من المحاضرات والندوات العلمية والدعوية داخل المملكة وخارجها

-شارك في العديد من الدورات التي تقيمها الجامعة في الخارج في إندونيسيا وماليزيا والهند وبنغلاديش وفي العديد من الدول الإفريقية والأوربية.

-نال الفقيد جائزة الجامعة الإسلامية في البحث العلمي .

-وبعد تقاعده عن التدريس في الجامعة الإسلامية عين أستاذا في معهد الأئمة والخطباء التابع لجامعة طيبة فنفع الله به طلابه وكان يقول إن هذا المعهد يمثل مرحلة مهمة لتدريب الطلاب بعد التخرج من الجامعة على أساليب الدعوة المختلفة .

المؤلفات والبحوث:

دراسة وتحقيق شرح مراقي السعود للمرابط محمد الأمين بن أحمد زيدان الجكني (ماستر)

1-دراسة وتحقيق كتاب: سلاسل الذهب للإمام الزركشي ( دكتوراه)

2-دراسة وتحقيق كتاب تقريب أصول الفقه إلى علم الأصول للإمام ابن جزي الغرناطي.

3-دراسة وتحقيق كتاب :لقطة العجلان للإمام الزركشي

(التعارض وطرق دفعه )، وهو عبارة عن عدة بحوث علمية نشرت في عدة مجلات على النحو التالي:

4-التعارض

5-دفع التعارض

6-مناهج العلماء في دفع التعارض وترتيب الأدلة

7-دفع التعارض بالجمع بين الأدلة المتعارضة

8-التعارض بين القياس وخبر الواحد

9-الترجيح في خبر الواحد والقياس

10-دفع التعارض بالنسخ

11-دراسة وتحقيق نظم جمع الجوامع للعلامة المختار بن بونا الجكني وهو بعنوان : (مبلغ المأمول) وقد انتهى من تحقيقه ومراجعته ولما يطبع .

من أبرز صفات شيخنا –رحمه الله- :

أنه كان كريما عاقلا شجاعا دائم البشر لا تفارقه الابتسامة محققا جمع بين المعقول والمنقول (وكان متواضعا في عزة أنيقا من غير كبر إذا تكلم أفاد وأوجز ، يغوص على المعاني من أقرب وجه فيصيبها في محز دون أن يشعرك بأن المقول مقوله والاستنباط استنباطه، ولا يتحرج أن يأخذ الفائدة من تلميذه إذا رأى صوابها بل يثني عليه بها ، وكان صادعا بالحق لا يخشى في الله لومة لائم )[2]يمازح ويناقش بأدب وله إجابات مستكة .

من وصاياه:

سألته مرة عن أهم الكتب التي يوصي بها فقال عليك بكتب ابن جزي الثلاثة (التسهيل والقوانين والتقريب)وقال لي أنا لا يفارقني التسهيل في سفر ولا حضر ،وأظنه قال إن والده رحمه الله كان كذلك، وعليك بالمفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ،والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير

وكان يقول : إن الأصول يجمع أهم العلوم وأنفعهـــا، مما يحتاجه العالم لفهم كتاب الله كأهم مباحث علوم القرآن والسنة والإجماع والقياس ودلالات الألفاظ، وقد سمعته ينبه على هذا أكثر من مرة.

وكان يقول : لا تكافئ الشر بالشر ولا تتكلم في أعراض الناس

وينصح بالصدع بالحق دون تعيين ويقول إن الله تعالى قال في محكم التنزيل في قضية من أخطر القضايا (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم)[3] فلم يسم أحدا منهم بل لم يسم الذي تولى كبر هذه الجريمة الكبرى وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: ( ما بال أقوام)[4]، ويقول إن على أهل العلم والدعوة  أن لا يسكتوا على الباطل لكن ليس مطلوبا منهم التعيين والتجريح ويرى أن هذا هو المنهج الصحيح .

طرف من مواقفه وإجاباته المسكتة :

استضافه المجمع الفقهي بالرابطة وشارك في دورة من دوراته وكان جريئا في التعبير عن رأيه ومخالفته لما لايراه من مسائل معروضة

-كان مشرفا على أحد الطلاب  في قسم الأصول هو الدكتور مصطفى مخــــــدوم ولما حان وقت المناقشة وقف احد المناقشَين أمام الطالب في مسألة القول بوجود المجاز في القرآن الكريم[5] وشنع عليه وناقشه الطالب في رأيه ثم طالب ذلك الأستاذ بعدم إعطائه الدرجة فما كان من الشيخ إلا أن تشاور مع المناقش الثاني وقررا إعطاء الطالب الدرجة المستحقة وكان ذلك الموقف محل تقدير وإعجاب الطلاب والحضور.

-ومن إجاباته اللطيفة أنه سئل مرة عن وجه المرأة هل هو عورة ؟ فقال وجه المرأة في هذه البلاد كرأس الرجل ، يشير بذلك إلى أنها مسألة عادة لا مسألة شرع فالمعروف في المشرق أن طلاب العلم وأهل المروءات يقدح فيهم بكشف رؤوسهم وهي من الأمثلة التي مثل بها الشاطبي في الموافقات باعتبار العوائد واختلافها وقال إن أهل المغرب لا يعتبرونه قادحا بينما يعتبره أهل المشرق قادحا[6].

-أذكر أني كنت معه ذات مرة ولم يكن معنا إلا رجل واحد من أهل العلم والفضل وكان يناقش الشيخ في رأيه في أن الأجر مضاعف في مكة كلها وذكر له الشيخ بعض الأدلة لكنه لم يقتنع وظل يحاور فقال له الشيخ : الله تعالى سمى آخر نقطة من الحرم وهي الحديبية –بطن مكة[7] فهل بطن الشيء خارجه؟ وكان المحاور ذا بطن فلم أتمالك من الضحك وضحك الشيخان وانتهى الحوار.

وأخبرني الشيخ محمد المصطفى سليم -رحمه الله- أنه قدم محاضرة واستشهد فيها بقول لأحد علماء بنغلادش فسئل بعد ذلك من أحد الحاضرين ياشيخ وهل في بنغلاديش علماء ؟ فقال علماء بنغلاديش أكثر من سكان بلدك.

بعض ما يستفاد من ترجمة الشيخ :

-أن النشأة العلمية الأولى لها أثرها الكبير في تكوين الشخصية العلمية المستقلة، فمعلوم أن الشيخ نشأ في بيت علم من أعلام الأمة هو العلامة محمد الأمين الشيقيطي أصاحب أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن وقد شجعه والده رحمه الله على هذه الحرية وهذا الاختلاف العلمي السائغ وهكذا هو شأن العلماء ولاسيما المجهدون منهم.

-أهمية العلم وفضله والحث عليه، ولاسيما علم أصول الفقه لما نبه إليه الشيخ من جمعه أهم العلوم المتعلقة بفهم القرآن والسنة.

-أهمية التخصص في هذا العصر وذلك من خلال تركيز الشيخ وعنايته بعلم الأصول خاصة رغم مشاركته في العلوم الأخرى

-ضرورة أن يتوافق العلم مع العمل

-حسن الخلق وبذل المعروف للناس عامة ولاسيما طلاب العلم

-البعد عن الغيبة والكلام في الناس

-ضرورة إبلاغ الدين والصدع بالحق دون تشهير أو تعريض بأحد

-ضرورة ارتباط العالم بمحيطه وعدم التنكر لأهله ومعارفه ، واستمرار تواصله معهم بكل نافع مفيد، وأذكر أني كنت مع شيخنا مرة في بيته وجاءه بعض الأقارب من البلاد وكأنهم طلبوا منه أن يكون معهم في قضية فيها خلاف بين الأقارب فقال لهم نحن معكم في كل شيء فيه خير تتفقون عليه ، ولسنا مع أي منكم في خلاف بينكم.

وفاته رحمه الله:

توفي رحمة الله بالمدينة المنورة بعد معاناة مرضية استقبلها بالصبر والرضى في يوم الثلاثاء1/3/1441هـ الموافق 29/10/2019م وصُلي علي في المسجد النبوي وحضر جنازته جم غفير من أهله وإخوانه وطلابه وسكان المدينة المنورة ، ودفن بالبقيع ، وتداولت المواقع والمجموعات الإخبارية خبر هذه الفاجعة الأليم بالتعزية والترحم والدعاء وذكر مناقبه ووصل خبره في (تويتر إلى اترند) على هذا الرابط https://www.almowaten.net/?p=2464204

وبهذه المناسبة الأليمة فإني أعزي أسرة شيخنا وقبيلته وطلاب العلم وأهل المدينة المنورة وموريتانيا والأمة الإسلامية فيه سائلا الله تعالى أن يسكنه فسيح جناته وأن يلحقه بالنبين والصديقين والشهداء والصالحين ،وأن يجير في مصيبته وأن يخلفهم جميعا فيه خيرا وأن يجعل البركة في عقبه وإنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه : تلميذه أبو أحمد

3/3/1441هـ

بالمدينة المنورة


[1] لقد دفعني إلى الإسراع بهذه الترجمة المختصرة أمران: الأول : حق الشيخ علي. الثاني: ما أرأيته من خلط كبير بين ترجمة الشيخ وترجمة كل من الشيخين الفاضلين: (معالي د. محمد محمد المختار، والأستاذ الدكتور عبد الله أخوه-حفظهما الله)مما أجب الاستعجال.

[2] من تغريدة للأستاذ الدكتور محمد سيدي عبد القادر

[3] سورة النور الآية 11، فلم يسم أحدا منهم ، وإنما قال 🙁 عصبة منكم) ، (لكل امرئ منهم) ، (والذي تولى كبره منهم).

[4] تكررت هذه العبارة في أحاديث كثيرة منها ما راه الإمام مالك ومن طريقه البخاري ومسلم في قصة عتق بريرة (ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله)

[5] وأذكر أننا في أثناء دراستنا لهذه المسألة على الشيخ  في الحرم النبوي الشريف كان معنا طالب يكثر من الاعتراضات فقال للشيخ نفي المجاز يقتضي نفي الصفا ، والقول بنفيه في القرآن هو قول شيخ الإسلام بن تيمية وهو الذي قرره والدكم –رحمه الله-  فقال له الشيخ وليكن أنا لا أنفيه بل أقره وهو أسلوب من أفصح الأساليب العربية ، ثم هل أنت تعرف معنى الحقيقة ؟ ألا تعلم أن القول بأن اليد حقيقة يلزم منه أن تكون من دم وعظم وعروق والله تعالى منزه عن ذلك.

[6] وقد قال ابن قدامة في المغني في باب وجوب كشف رأس المحرم ووجه المرأة كرأس الرجل.

[7] قال تعالى : ( وهو الذي كف أيدهم عنكم وأيدكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا)  الفتح 24.

زر الذهاب إلى الأعلى