الجفاف في موريتانيا.. التحديات والآثار

نواكشوط ـ الإصلاح

أدى شح الأمطار في موريتانيا خلال السنوات الأخيرة إلى انتشار التصحر وانحسار الغابات ما تسبب في موجة جفاف حاد أضرت بسكان المناطق الرعوية والزراعية في المناطق الداخلية من البلاد.
ويعتبر صيف ألفين وتسعة عشر الأكثر حدة على سكان شرق ووسط البلاد بسبب انحسار المساحات الرعوية وقلة المحاصيل الزراعية الناتج عن نقص الأمطار خلال الخريف الماضي.
الثروة الحيوانية أكبر المتضررين:
وقد باتت الثروة الحيوانية مهددة بالنفوق والانقراض جراء موجات الجفاف المتتالية في الأعوام الأخيرة حيث نفقت عشرات الرؤوس بسبب انعدام المراعي وقلة المياه وغلاء أسعار العلف وضيق ذات يد المنمين.
واختار بعض المنمين الهجرة إلى دول الجوار (مالي و السنغال) طلبا للمراعي وخوفا من تضرر مواشيهم من الجفاف، بينما اختار البعض الإقامة في أماكنهم الأصلية معتمدين على الأعلاف وبقايا النباتات، واكتوى صغار المنمين والفقراء بنير الجفاف أكثر من غيرهم فلا هم يستطيعون الهجرة، ولا يمتلكون ثمن الأعلاف التي شهدت أسعارها ارتفاعا جنونيا.
وتبقى الثروة الحيوانية أكبر المتضررين من نقص الأمطار وقلة المراعي في ظل عدم وجود إستراتيجية محكمة لمواجهة الجفاف والتخفيف من آثاره.
انعكاس على الزراعة المطرية:
وقد انعكس تذبذب الأمطار وتأخرها ــ عن الزمن المعهود لها ــ سلبا على المزارع التقليدية (احريثت لخريف) التي تعتمد أساسا على سرعة نزول الأمطار وكثافتها، فقد تضرر النشاط الزراعي حيث خسر المزارعون بعض أراضيهم، وقلت المحاصيل.
وأدى انحسار المزارع التقليدية إلى تضرر الاقتصاد فقد كانت تمثل مشاريع مدرة للدخل لمئات الأسر التي تعتمد على زراعة السدود مصدرا وحيدا للدخل وكذلك باعة الحبوب الذين ينشدون في حصاد هذه المزارع ضالتهم في الربح وتزويد السوق بالجديد المفيد.
وتلعب المنتجات الزراعية المحلية دورا بارزا في تحقيق الاكتفاء الذاتي من الحبوب والباقوليات وقدت تأثرت سوق الحبوب بقلة الأمطار حيث أدى جلب هذه المواد من الدول المجاورة إلى ارتفاع سعرها في السوق المحلية.
أزمة غذائية.. ونذر مجاعة
أدت هجرت الحيوانات إلى دول الجوار طلبا للمرعى، وقلة المنتج الزراعي إلى تضرر عدد كبير من سكان مناطق شرق ووسط البلاد التي كانت تمثل عماد غذاء لهم، ما دفع بمنظمات الأمن الغذائي إلى دق ناقوس الخطر محذرين من نذر مجاعة تلوح في الأفق.
المديرة المساعدة لبرنامج الغذاء العالمي في موريتانيا ريناتو باييه في مقابلة لها مع صحيفة لموند الفرنسية بتاريخ 13مايو 2019 قالت إن “انعدام الأمن الغذائي يهدد أكثر من نصف مليون شخص في مناطق من الجنوب والشرق الموريتاني، مشيرة إلى أن نسبة 11,6 في المائة من هؤلاء قد يصيبهم ” سوء التغذية الحاد”
وأشارت باييه إلى أن ” 559 ألف موريتاني سيكونون تحت خطر انعدام الأمن الغذائي خلال الفترة الممتدة من يونيو وحتى سبتمبر، أول أشهر الحصاد”.
وأضافت المسؤولة الأممية إن توقعات برنامج الغذاء العالمي تشير إلى أن ” سوء التغذية الحاد قد يصيب 11,6 في المائة من سكان موريتانيا، 2,3 في المائة منها حالات خطيرة ، وهو ما يتجاوز عتبة الطوارئ التي قالت إنها تتوقف عند 2 في المائة”.
وكانت السلطات المحلية قد أعلنت صيف ألفين وثمانية عشر عن مناطق منكوبة شرق وسط البلاد بعد حدوث وفاة جماعية لعدد من الأطفال والمسنين بسبب المجاعة وسوء التغذية، الناتج عن هجرة المواشي، ونفاد المحاصيل الزراعية، إثر الجفاف .
خطة حكومية:
انتقد المنمون في المناطق المتضررة من الجفاف غياب الحكومة متهمين إياها بعدم مد يد العون لهم ومساعدتهم في توفير الأعلاف لمواشيهم.
ودعا المنمون الحكومة لمساعدتهم في توفير العلف لمواشيهم المهددة بالنفوق إذا لم تتوفر لهم الأعلاف بأسعار في متناولهم، منبهين أن غياب الدعم الحكومي فاقم من معاناتهم، فيما دقت أحزاب ومنظمات محلية ناقوس الخطر، محذرة من مجاعة في البلاد بسبب الجفاف.
الحكومة من جانبها أكدت أنها انتبهت مبكرا لخطر الجفاف والآثار المترتبة عنه وأنها رصدت خطة للتصدي له، شملت تسيير قوافل محملة بالمواد الغذائية إلى المناطق المتضررة، وفتح محلات لبيع المواد الغذائية بأسعار مخفضة وتنظيم أنشطة مدرة للدخل في تلك المناطق…
هجرة نحو المدينة:
وقد تسببت موجة الجفاف التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة ، في هجرة كبيرة لسكان القرى والأرياف نحو المدن الرئيسية، بحثا عن فرص عمل، وسبل عيش كريم ، بعد توقف أنشطتهم التقليدية من زراعة وتنمية حيوانية.
ورغم ما تتيحه الهجرة الكبيرة نحو المدينة من توفير يد عاملة، وقوة شرائية، فإنها تولد ضغطا كبيرا على الخدمات الصحية والتعليمية والسكنية في المدن.
وعرفت موريتانيا خلال سبعينات القرن الماضي أكبر موجة هجرة في تاريخها من البوادي والأرياف إلى العاصمة والمدن الكبيرة بسبب الجفاف الحادي الذي ضرب البلاد آن ذاك.
بشائر خريف واعد:
تتجه أنظار الموريتانيين مع نهاية كل صيف إلى فصل الخريف الذي يعلقون عليه آمالا كبيرة ، فتراهم يتتبعون خبر المطر والأنواء من مكان إلى آخر ويهتمون بمتابعة نشرة الأحوال الجوية علهم يجدون ذكرا لبشائر الخريف الذي ينبت الكلأ ويوفر الماء.
ويمثل الخريف في موريتانيا فرصة لعودة المواشي من هجرتها واحتفاء المنمين بالانتهاء من تعليفها وسقايتها، وهو موسم لعودة المزارعين إلى سدودهم بعد أن تغمرها مياه الأمطار حيث يبدؤون زراعتها معلقين الآمال على حصادها الذي طالما انتظروه لسد خلة أو كسب مال أو قضاء دين ظل يؤرقهم طوال السنة.
وقد بدأت الأمطار تتهاطل على شرق ووسط البلاد منذ بداية أغسطس الجاري مبشرة بخريف واعد يأمل المواطنون في أن يمثل قطيعة مع سنوات الجفاف العصيبة.

زر الذهاب إلى الأعلى