بعد 59 عاما : مشروع بناء الدولة الموريتانية إلى أين؟ (تحليل)

نواكشوط – الإصلاح


على وقع الاحتفالات المخلدة لعيد الاستقلال الوطني ال 59 في موريتانيا يتجدد الجدل بشأن ما تحقق منذ الاستقلال إلى اليوم؟ هل تجاوزت موريتانيا مرحلة البناء والتأسيس ؟ أم أن شبح الدولة الفاشلة ما زال يطاردها بفعل التخلف التنموي والاضطراب السياسي وتجذر العقليات المناهضة لمنظومة الدولة الحديثة؟


الشرعية المثلومة:
ساد خلال الأشهر الثلاثة الماضية جو من الهدوء والتفاؤل في الأوساط السياسية والشعبية بفعل ما تحقق من تناول سلمي على السلطة بين الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز وسلفه محمد ولد الشيخ الغزواني بيد أن الخلاف الذي اندلع بين الاثنين خلال الأيام الماضية يدل على هشاشة المنظومة السياسية الموريتانية وتحكم الصراعات داخلها بسبب غياب الأعراف الديمقراطية وسيادة منطق الشخصية والأحادية في الإدارة والتسيير.
وبغض النظر عن أسباب وخلفيات ومآلات الصراع الحالي داخل المنظومة الحاكمة، إلا أنه يؤشر إلى أن أزمة الشرعية ما تزال مطروحة بقوة وأن الاستقرار السياسي في موريتانيا هش وضعيف.
صحيح أن النظام الحالي أقرب إلى الشرعية الانتخابية من أي نظام عسكري آخر حكم البلاد طوال العقود الماضية إلا أنه هو الآخر يعاني من شبهة تدخل الدول في المسار الانتخابي فضلا عن الاختلالات التي تعاني منها المنظومة الانتخابية في البلاد (اللائحة الانتخابية – تشكلة اللجنة الانتخابية – حالات التزوير والتلاعب التي تم كشفها ولم يرتب عليها شيء)، بالإضافة إلى تجذر ثقافة الأحادية وتمجيد الأشخاص، وأبرز مثال على ذلك حفلات التأييد المجانية للحاكم وجعله مرجعية لمجرد جلوسه على كرسي الرئاسة، بدل التقيد بالنصوص القانونية والدستورية في مهام الرئيس وصلاحياته ومجال تدخله، وهي أمور تكرست خلال العقود الماضية وتعمقت حتى أصبح الرئيس هو كل شيء، وغيره من المسؤولين مجرد سكرتارية عنده في أحسن الأحوال.
ولا أدل على استمرار أزمة الشرعية في النظام الموريتاني منذ الاستقلال إلى اليوم من الأحداث الدامية التي أعقبت الإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة والتي كادت تودي بالبلد في مهاوي الفوضى والاضطرابات، ومن الصعب هنا تقبل الرواية الرسمية بشأن ضلوع أجانب في مظاهرة بهذا الحجم من القوة والانتشار الأمر الذي يشير إلى أن لهذه الأحداث أسبابا وخلفيات سياسية واجتماعية واقتصادية وأن نسبة معتبرة من الموريتانيين لا تثق في المنظومة الحاكمة ولا اللجنة الانتخابية.
ما لم تتجاوز موريتانيا أزمة لشرعية في نظامها السياسي فستبقى عرضة للهزات والانقلابات وقد جربت البلاد هذه الاضطرابات بما يكفى وحققت تجربتها السياسية والديمقراطية بعض التطور والمصداقية.
إن أي قراءة منصفة لمسار التجربة الديمقراطية الموريتانية لا بد أن تعترف بالتطور الإيجابي الذي عرفته هذه التجربة منذ انقلاب 6 من أغسطس 2005 وما تبعه من إصلاحات سياسية ودستورية أوصلت البلاد إلى تداول سلمي على السلطة يعتبر نادرا في الساحتين العربية والأفريقية، غير أن اللعبة الديمقراطية لم تزل تعاني من بعض الا ختلالات التي تشكل ثلمة في الشرعية السياسية ما لم يتم التغلب عليها ومعالجتها بجدية وصدق.


أولوية التنمية


اندلعت المطالب الاجتماعي خلال العقدين الأخيرين بشكل قوي وملح ذلك أن مستويات الفقر والعوز ازدادت وظلت أرقام الفقر مرتفعة وفق التقارير الأممية، رغم التحسن الاقتصادي وارتفاع أسعار المعادن فإن ذلك لم ينعكس على واقع غالبية الموريتانيين وما تزال التقارير الدولية تتحدث عن نسبة فقر في حدود 42 في المائة فيما تقول الحكومة السابقة إنها قلصت نسبة الفقر بنحو 10% .
مظاهر الفقر منتشرة في العاصمة نواكشوط التي تطوقها أحزمة الفقر والأحياء العشوائية التي تفتقر لأبسط مقومات الحياة ويشهد القصر الرئاسي مظاهر احتجاج يومي لأصحاب المطالب والمظالم فيما بقيت السياسات الحكومية في هذا الصدد عاجزة عن التصدي بفاعلية لأزمة الفقر وغياب التنمية، أما مدن الداخل فليست بأفضل وتعاني هي الأخرى من مشاكل يومية في الصحة والتعليم والبنية التحية والبطالة وتفاقم الأمر مع الجفاف الذي ضرب بعض مناطق موريتانيا خلال السنوات الأخيرة وأثر سلبا على الثروة الحيوانية التي تعتمد عليها غالبية سكان الريف.
أطلقت الحكومات الموريتانية خلال العقود الماضية عدة برامج ومشاريع لمحاربة الفقر مثل مشروع أمل وخطة محاربة القضاء على الفقر في العام 2000 ومشروع “الرفاه المشترك عام 2030″، غير أن هذه البرامج على أهميتها ودورها عانت من مشاكل هيكلية في بداياتها وتأثرت بالفساد في مرحلة التنفيذ .
يتحدث الكثير من المراقبين عن مفارقة تكمن في فقر مواطني هذا البلد صاحب الموارد الهائلة، هنالك وعي ملحوظ بأهمية وأولوية التنمية في موريتانيا كما تجلى ذلك في برامج المرشحين في الاستحقاقات الماضية، وإذا لم تتحرك الدولة الموريتانية لمعالجة المطالب التنموية والاجتماعية الملحة فإن شبخ الفشل يتهددها ذلك أن تحدى الفقر لم يعد قابلا للتأجيل .
59 عاما وواقع موريتانيا في مجال البنى التحية يرثى له: طريق الأمل أكبر مشروع نفذته الدولة الموريتانية في السبعينيات أصبح مقصلة حقيقية، نفس الوضع مع طريق روصو نواكشوط أقدم طريق معبد في موريتانيا، صحيح أن العشرية الماضية شهدت اهتماما كبيرا بالطرق وتشييدها غير أن هذه الطرق شابتها عيوب من حيث الجودة فضلا عن الشكوك التي أثيرت بشأن ما طبع صفقاتها من فساد.


الوحدة الوطنية:

الوحدة الوطنية وما يتفرع عنها من مطالب بالعدالة الاجتماعية ومحاربة العبودية ومخلفاتها أصبحت تشكل تحديا حقيقيا للدولة والمجتمع في موريتانيا ذلك أن المقاربات التي اتبعت في هذا الصدد كانت تتخذ سياسة النعامة منهجا، وترفض الاعتراف بالمظالم والاختلالات التي يشهدها النسيج الاجتماعي الموريتاني.
إن التعدد العرقي الذي يميز المجتمع الموريتاني يضعه أمام تحدى صهر أعراقه المختلفة في منظومة الدولة الوطنية ومعالجة الاختلالات التي أثرت سلبا على هذه العلاقة (أحداث 89 وما أعقبها- فضلا عن ملف العبودية ومخلفاتها)، والإسراع بتبني برامج اقتصادية عاجلة ومقاربات للتمييز الإيجابي لصالح الفئات المهمشة ومواكبة القضية الوطنية .
لا يمكن لمثل هذه السياسات أن تنجح دون خلق ظروف وأجواء تعيد الثقة بين الدولة ومختلف الشرائح الوطنية وإقامة منتديات للحوار والتوعية فضلا عن تفعيل القوانين المجرمة للعبودية.
جرمت موريتانيا العبودية من الستينيات وأصدرت قانونا في هذا الصدد عام 2007 وأعلنت خطة لمحاربة العبودية ومخلفاتها عام 2014 وأنشأت هيئات ومؤسسات معنية بمحاربة آثار العبودية كما أعلنت حكومة محمد ولد الشيخ الغزواني عن خطط جديدة طموحة في هذا المجال غير أن سقف الطموح والمطالب مرتفع جدا وفي تصاعد يحتاج مواكبة رسمية وشعبية من أجل حل الاختلالات وتجنب الانزلاق إلى الخطابات المتطرفة التي تتغذى على سياسات الفشل المتبعة في هذا الصدد.


تفاؤل ولكن!


يجنح الموريتانيون إلى التفاؤل هذه الأيام بفعل المؤشرات الإيجابية بعيد انتخابات 2019 والتغيير الذي حصل في موقع رئاسة الجمهورية إضافة إلى الآفاق الاقتصادية الواعدة بشأن الثروات الطبيعية وآخرها الاكتشافات الغازية التي تتسابق الشركات العالمية إلي الاستثمار فيها والتنافس عليها، غير أن المشاكل البنوية التي تعاني منها الدولة الموريتانية منذ عقود واستفحال البطالة وضعف التعليم والصحة وانتشار الفساد في الجهاز الإداري للدولة عوامل مؤثرة في أي عملية تحول نحو الدولة الحقيقية ويمكن للحكومة الجديدة استثمار حالة التفاؤل هذه بشكل إيجابي ما يعيطها فرصة ثمينة لإنجاز مشاريع حقيقية واستغلال الموارد وتحقيق تطور تنموي، وإذا ما أهدرت هذه الفرصة فإنه من الصعب تعويضها وستكون المسؤليات مضاعفة على الحكومة ذلك أن الشعوب أصبحت ملحاحة وواعية بحقوقها، ومن الصعب إقناعها بالانتظار والصبر الذين تحتاجهما المشاريع لتثمر وتنجح.

زر الذهاب إلى الأعلى