عصور الوفاء: مناقب الرئيس المؤسس في ذاكرة شريف!/د. إبراهيم الدويري


من العادات الحسنة للساسة والقادة في عصرنا الحاضر كتابة مذكراتهم لعرض رؤاهم الشخصية للأحداث المفصلية التي شاركوا في صناعتها أو شهدوا عليها، والإفصاح عن آرائهم في الشخصيات التي عايشوها، وحكاية ما مروا به من تجارب في عبرها ما ينفع من يأتي بعدهم.
أمتع ما في المذكرات أنها تكتب بعد التقاعد حين يقل التحفظ أو ينعدم، ويتحدث أصحابها على السجية من غير ضغوط وظيفية أو سياسية، وفي ثنايا المذكرات تتكشف أمام القارئ طبائع الحكام وأخلاق كتابها، ومستويات وفائهم ودقتهم، ومن الوفاء أن يقول الرجل خيرا عمن قاده، ومن حصافة الرأي واستقلال النظر أن ينتقد رجال الدولة ما رأوا من أخطاء أو خطايا ليتجنبها الآتون.

في التاريخ السياسي الموريتاني الحديث القصير جرت العادة أن يكون للرئيس–حسب حاشيته والناقمين عليه- سيرتان مختلفتان؛ سيرة الكمال والمناقب الجمة حين يكون محاطا بأبهة الحكم وبهرج السلطان، وسيرة النقص والمثالب حين يفقد بريق السلطة، وقد تفاجأ الرئيس المؤسس المختار ولد داداه (1924-2003م) من ذلك التصرف المفاجئ والنكران السريع، وسَجَّله بطرافة واستغراب في مذكراته.

لئن برزت ظاهرة المدح المتكلف للحاكم والإعراض السريع عنه وذمه أكثر مع الأنظمة العسكرية المتعاقبة، فإن عموم الرجال الذين عملوا مع المختار ولد داداه أحبوه غاية الحب وبجلوه منتهى الإجلال، ووفوا له أحسن الوفاء، حتى صار من المتعارف عليه في الثقافة السياسية أن “فلانا ذو هوى داداهي”.
لم يكن إجلال الداداهيين لرئيسهم حبا اعتباطيا أو ودا مزاجيا يتقلب بتقلبات الأزمنة، بل كان احتراما راسخا له أسباب شخصية وأخلاقية اشتهر بها الرئيس المختار بين رفاقه، ولعل أصدق مثال على ذلك الوفاء والإعجاب ما سطره الأستاذ الأمين العام لرئاسة المختار السيد محمد عالي شريف في مذكراته الصادرة هذا العام بعنوان “سيرة من ذاكرة القرن العشرين” عن دار الساقي.
اللقاء الأول
كان أول لقاء بين شريف والمختار ولد داداه عام 1967 بمبادرة من أقارب الأول من أجل اندماج الشاب الخريج حديثا في دواليب الدولة الناشئة، وكان لقاء وديا، صحبه شكر الرئيس لشريف على قدومه واستعداده لخدمة وطنه، كما اعتذر الرئيس عن عدم استقباله “قبل هذا الوقت نظرا إلى ارتباطاته وأجندته المزدحمة”(ص 142)، ووعده بالاتصال به قريبا.
كان شريف قدم إلى العاصمة الفتية قبل هذا اللقاء بثلاث سنوات مع عدد من أقاربه والشباب “الحاصلين على الديبلومات والتعليم الجامعي الذي تحتاجه البلاد”، أبدى شريف للرئيس استعداداه لخدمة الوطن مع تأكيده أنه وأصدقاءه من الشباب تعوزهم التجربة لحداثة تخرجهم، وعدم سبق عمل لهم في الإدارة.
لم يطل انتظار شريف لاتصال الرئاسة ففي غضون أيام اتصل به كل من أمين التنظيم في الحزب، ومدير ديوان الرئيس صال عبدالعزيز، وأخبراه أن المختار كلمهما عنه، وطلب منهما مناقشة العمل الذي يناسبه وفق تأهيله مع حاجة كليهما لمن يسنده في عمله.

كان التقشف المسيطر حينها عائقا أمام سرعة اكتتاب شريف فلم تكن إمكانيات الحزب المادية المتواضعة تسمح بذلك، كما أن الرصيد الرئاسي لم يكن بتلك السعة، ولم يكن ثمة حل أمام مدير الديوان الذي يحتاج الشاب شريف إلا أن يطلبه بصفته “أخا وصديقا الموافقة على بدء العمل مؤقتا كملحق في الديوان”.

قبل شريف الوظيفة في الديوان بدوام جزئي لضآلة راتبها، ولأنه كان يعمل مترجما محترفا لثلاث لغات العربية والفرنسية والإنجليزية في سفارة الجمهورية العربية المتحدة القريبة من الرئاسة حينها، لم يجد شريفا صعوبة في العمل فنيا مع احتياجه للوقت لكثرة المراسلات التي عليه قراءتها وتلخيصها للرئيس.
مع الرئيس المختار الأخ الأكبر
كان استقبال المختار الثاني لشريف بعد تعيينه أمينا عاما للشؤون الثقافية لنقاش مذكرة عن مهرجان ثقافي إفريقي في الجزائر عام 1969، ووعده باستقباله كلما دعت الحاجة إلى ذلك لأهمية أمر الثقافة عنده.
بعد بلاء شريف في أمانة الثقافة استدعاه الرئيس وقال له بالحرف الواحد: “أتمنى أن تقبلوا من صعبا قليل الامتيازات هو منصب الأمين العام للرئاسة، فتصبحون أقرب المعاونين إلي…”، مع اعتباري أخاكم الأكبر.. ولا تترددوا ساعة في إعطائي تقييمكم الشخصي” ( ص 147) مع توصية خاصة بالشأن الثقافي.

بهذه الروح الرئاسية المتقبلة للنقد والتقويم من موظف شاب قدم فخامة الرئيس المختار نفسه لشريف، وبسببها قامت بين الاثنين علاقة استثنائية، مع فارق السن وكل ذلك حسب ذاكرة شريف يرجع إلى ما امتاز به المختار من حلم وصبر إلى أقصى حد.
بروز بين الأقران
كان المختار مع عدد من العشرات الذين تلقوا تعليما عصريا، وكان بالإمكان أن يكون أي واحد منهم رئيسا لكن المختار في البدء “جذب الأنظار بتأهيله وتهذيبه وأخلاقه الرفيعة والعلاقات الطيبة الواسعة لسلفه، وإعجاب وتقدير الشخصيات المؤثرة في تلك الحقبة، وثقة كثير من معاصريه على جميع مستويات الطيف الاجتماعي والسياسي” 101(ص 101)
وحسب شريف فإنه في وسط المشوار امتاز “عن رفقائه بمستوى من التأهيل والطموح والتجربة ظهر في الخطب التي يحررها ويلقيها منذ خطابه في أطار 1957م حين أبان بوضوح كامل التزامه الوطني والتقدمي، وكان ذلك رصيدا سياسيا مكنه من تنظيم وقيادة الرجال الذين كونهم المستعمر ككوادر مساعدة للحفاظ على السلطة الإدارية المركزية التي لولاها ما وجد كيان الدولة” (ص 97).
رجل دولة بصفات نادرة
يرصد شريف مسيرة المختار وتكوينه الثقافي والقيمي فيقول إنه “دخل المدرسة متأخرا ليخرج منها بمؤهلات فكرية عالية، كان وسيظل مثالا نادرا للشجاعة والمثابرة والصبر كرجل دولة مؤمن ببلاده”، وقد تكون “منذ نعومة أظفاره ومراهقته في قالب حياة دينية وثقافية صارمة لا تفسرها قساوة الحياة الصحراوية والبيئة المحيطة” (ص 102).
وذكر أنه كان جمع إلى قيمه الصحراوية انفتاحه الكبير على العالم، مع رؤية استشرافية، وجرأة في تنفيذ القرارات، واعتدال في الطرح، يقول: “كان الرئيس المختار حليما ويحسن الاستماع مع الانتباه الدائم دون أن يقاطع محدثه أبدا، ودون أن تظهر عليه علامات الملل أو التعصب، وكان يسجل التفاصيل الدقيقة ليأخذ بالاعتبار كلما قيل وكثيرا مما لم يقل”

ومن حصافته وقوته أنه “كان يوازن الدوافع وخلفيات الأصدقاء والأعداء ويأخذ الوقت الكافي للإجابة متعمدا إهمال موضوع أو موضوعات معينة، ولا يتردد في اتخاذ القرار الحازم اذا كان ضروريا ويعقب في بعض الأحيان عقابا لا معقب له في بعض الأحيان” (ص 104).
.
مرافعة عن الزعيم الصوفي
كثيرا ما اتهم المختار من لدن مناوئيه بالدكتاتورية والانفراد بالرأي، وهنا نجد شريف يثبت مقدمات ذلك وينفي النتائج، يقول شريف فيما يشبه المرافعة إن الرئيس المختار منذ 1964-1966 “تركزت جميع السلطات عنده على مستوى الحزب والدولة، ولكنه لم يكن بذلك دكتاتورا”.
ينفي شريف دكتاتورية المختار بأنه كان صاحب القرار فقط “ولكن التواضع والبساطة التي تشكل صفات أشد الصوفيين صرامة، تمنه وهو المؤمن الحق من كل ميل إلى السلطوية، فهو الذي يعرف نواقص البشر، وفضيلة الإجماع كمعطيات أساسية في الحياة البشرية”.

يؤكد شريف في أكثر من موضع اتصاف المختار بالقيم النبيلة وحسن الاستماع، والصبر على المناقشات، والحرص على الشورى، وهي صفات جعلت منه قائدا بارزا وزعيما سياسيا إجماعيا لمجتمع ألف السيبة قرونا حتى صارت علما عليه، فرحمة الله عليه.
وفي الختام أقول إن مذكرات “سيرة من ذاكرة القرن العشرين” من المذكرات السياسية والثقافية الموريتانية الممتعة جدا، وميزتها نبل قلم صاحبها وإنصافه لمن عايش الرجال الذين أبلوا بلاء حسنا في نشأة الجمهورية الإسلامية الموريتانية، والتأريخ لفترة مفصلية من تاريخ موريتانيا وبعض بلدان غرب إفريقيا.

وهي أول عمل أقرأه لصاحبها عدا بعض المقابلات الصحفية ذات الطابع التاريخي، ولم أر المؤلف عيانا من قبل إلا مرة واحدة رأيته خارجا من بيت شيخنا الشنافي (1922-2012م)، ولم يكن يزور الشنافي من غير ذويه إلا أحد اثنين ذو وفاء أو مشغوف بالعلم، ولا غرو إن جمع شريف بين الخصلتين، وفي المذكرات كلام جميل عن الشنافي لعله يكون موقع مقال قادم.

زر الذهاب إلى الأعلى