انكشافات”حرب الأيام العشرة”/ أحمدو الوديعة

احمدو الوديعة يكتب ،،

انكشافات ” حرب الأيام العشرة

نحن أمة مبتلاة، ومن بلواها أن لها جيوشا لاتقاتل في الميدان ذودا عن الحياض كما خلقت الجيوش لتقاتل، وإنما تتقاتل على القصور مخالفة لما نهيت عنه من التورط في الحكم وتركه لأهله.
ولأننا هكذا نتخيل الحرب في كل شيئ، ونتصنع الانتصارات من كل شيئ، ونحكي انتفاخات كل الأسود وصهيل كل الخيول.
على مدى عشرة أيام تابعنا حربا ضروسا احتضنت واقعتها الأولى مكاتب حزب الحاكم، ورصدت مناوشاتها الأخيرة في ميدان فسيح لكنه حساس ، حدوده بوابات القصر حيث ترابط الكتيبة العتيدة “بازيب” ومداه مشارف أگجوجت حيث كانت توضع لمسات استعراض عيد الاستقلال،وحيث كان مفترضا أن تلتقط صورة تجمع كل رؤساء البلد السابقين، الأحياء المرزوقين.
اندلعت حرب سمع فيها صارخا صاخبا ما كان النقاش يجرى حذرا هامسا أيقع، أم لايقع؛ الصديقان اللدودان يتنازعان الحكم في ساحة مكشوفة ،لتتمزق في أيام صورة نسجت لعقود عن علاقة خارقة واستثنائية بين الرجلين الذين حكما البلاد انقلابا وانتخابا لعقد يزيد.
ومع أن غبار المعركة لم ينقشع بعد بما يسمح بتقديم الحصيلة وتبين نوعية الأسلحة والأدوات المستخدمة وتعداد الضحايا،فقد تكشفت حقائق جديرة بالتوقف و التأمل لعلاقتها بماضينا المأزوم، وحاضرنا المضطرب، ومستقبلنا الذي لانقبل التنازل عن وصال مع الأمل فيه،مهما طال السفر وتشعبت دروب النضال.
١

  • انكشف جليا أن الجنرال المنصرف محمد ولد عبد العزيز أخرج من الحكم مكرها؛وأنه لا يملك من المرونة الذهنية والروح الرياضية ما يجعل من الممكن تسويق تلك العملية تحت بند البطولة، مع توفر الخبرات الضرورية في صناعة الأبطال والتزمير لهم والتصفيق، والزغردة واتبربير.
    لقد جعلتنا حرب الأيام العشرة نستعيد بالعرض البطيئ نهايات حوارات 2014،ونوبات صراخ وزراء ونواب للمطالبة بالمأمورية الثالثة، ومحاولات تغيير الدستور، وصدور البيان الرئاسي في غياب الرئيس وتشنجات رئيس الجمعية الوطنية الجديد وغياباته المتكررة وصراعات القنوات والبرامج التلفزية في منظومة الإعلام الحكومي الذي لم يقل لاقط
    ٢.
  • انكشف لمن كان يفضل أن يرى الواقع بنظارات كما يفعل بالأبقار الروسية اليوم ليتحسن مردود حليبها أن الحكم ما زال في أيدي مؤسسة تعتبر نفسها الوصية على شعب قاصر، وتقيس نضج الفاعلين في الشأن العام بتسليمهم لها وتسابقهم على تكريس الأمر بيدها ونبذهم لمن ينازعها الأمر ويخرج عن طاعتها ووجهتها وتوجهاتها.
    الحكم المنصوص دستورا أنه للشعب،مثبت هنا في نصوص فوق دستورية أنه للجيش لكبار الضباط ومن يضعون فيه ثقتهم،(ذاك هو تصورهم وتلك هي إرادتهم بيد أن للانكشاف الثالث ما يقيد به ذاك الإطلاق فالوقت لم يعد لصالح ذلك والتحكم في البث ما عاد ممكنا من خلال احتجاز الفنيين في الإذاعة والتلفزيون كما كان في عشيات وصباحات الانقلابات المتتالية)
    ٣
    -لو كان الأمر بيد من كان بيدهم الأمر وحدهم لكان الجنرال المنصرف يوشح بما شاء من الأوسمة في عيد الاستقلال، ولكان السباق الجاري اليوم لأخذ مسافة منه ودعوته بما بينهم للتوقف ،سباقا للتمجيد ودعوات لإقامة النصب التذكارية له في كل مكان ولكن قوة الوعي وانتشاره وبالذات في وسائط التواصل الاجتماعي هي التي جعلت التستر على جرائم المنصرف غير ممكنة وجعلت من خلفه يدرك أن ثمن ذلك هو تحوله في أقل من مائة يوم إلى وضع المتهم بعد أن استفاد من مرحلة اعفاء انتهت سريعا دون أن يقدم ما يكفي من الإشارات للرغبة والقدرة على السير في طريق مختلف عن الطريق الذي ظل سلفه ” يكسكادي ” عليه ويكسكادي معه بالبلد كله.
    إن امتلاك عشرات الآلاف من الموريتانيين اليوم الأدوات التقنية التي تمكنهم من الحصول على المعلومة في وقتها والتعبير عن الموقف منها بما ينسجم مع ما يرونه بإرادتهم الحرة مصلحة الوطن، تحول عميق وصخرة ستتحطم عليها الكثير من مقاربات الاستخفاف والاستغباء،فليس أمام من يحكم موريتانيا اليوم إلا خياران؛ أن يسير في طريق الحكامة بالعدل والقسط واحترام الناس، أو أن يواجه مصيره المحتوم في كشف فساده وانحرافه، وظلمه ،هذا زمان لم تعد افتتاحيات الوكالات، وبرامج التلفزيونات وطاولات الإذاعات فيه تفيد، هذا عصر الجماهير، المتصلة التواقة للحرية، والممتلكة لأدوات افتكاكها وهي بذلك من الواعين وفي كل ما سوى ذلك من الزاهدين.
زر الذهاب إلى الأعلى