مَفْهُومُ الْعالِم ..مُدَارسَةٌ/ عبد الله محمد المصطفى

من المفاهيم التي ابتذلت واستعملها الناس في غير ماوضعت له أصلا مفهوم العالِم فادعاها كل من تعمم وأخذ مسبحة لامعة براقة وأطال لحيته وأحفى شاربه وجعل أزرته إلى نصف ساقه وحفظ بعض متون العلوم وإن لم يعي معانيها ويفهم مقاصدها وماتدور عليه وظن الناس أن كل من كثر جداله وكلامه يستحق هذا الوصف وإن خلا من سمت وهدي الربانيين الذي هم وراث النبوة حقا.
ومن مرادفات هذا المصطلح الرباني والفقيه والمجتهد والمفتي والراسخ والحكيم والمتبصر والعلامة وكل ماأفاد التضلع في علوم الشريعة وبلوغ الغاية فيها كالفهامة والدراكة وغيرها.
فماهو العالم إذن ؟ وماهي سماته وأهم مقومات شخصيته ؟
تحد يد مفهوم العالِم أو العالِمية معركة عتيقة بين مفكري الأمة الأصلاء قديما وحديثا إذيرى الشاطبي أن العالم وارث النبوة ” هو الذي يتحقق بالمعاني الشرعية منزلة على المعاني الفرعية بحيث لايصده التبحر بالاستبصار بطرف عن التبحر بالاستبصار في الطرف الآخر” وليس بالبعيد من هذا رأي ابن القيم الذي يقول في كتابه إعلام الموقعين عن رب العالمين معرفا فقهاء الملة ” هم من دارت الفتيا على أقوالهم بين الأنام الذين خصوا باستنباط الأحكام وعنوا بضبط قواعد الحلال والحرام فهم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء ” ويعرف المختار ابن بونه في طرته على الألفية العالم بأنه “من استوت عنده الفنون في مرتبة يعرفها أوصلح لأن يعرفها واشتغل بها “.
بينما يري الشيخ فريد الأنصاري رحمه الله في كتابه مفهوم العالِمية أن العالِمية هي “صفة كسبية في معرفة أحكام الشريعة أصولها وفروعها يكون المتحقق بها إماما في الدين تزكية وتعليما” :ولا يكون العالم عالما على الحقيقة إلا بتوفر ماهية عالميته على ثلاثة أركان هي:
1_الملكية الفقهية :وهي خبرة منهجية في معالجة النصوص الشرعية فهما واستنباطا وتحقيق مناطاتها تنزيلا وهو معنى الفقه الكلي فقها وتطبيقا كماورد في الحديث من يرد الله به خيرا يفقه في الدين ”
2_التربية الإيمانية :وهي في نظر فريد” مقاربة الكمال في مسلك التخلق بأخلاق القرآن والتحقق من صفتي التقوى والورع من أجل تحصيل العلم بالله والتعرف إليه تعالى “.
ولهذا قال القرطبي في تفسيره معلقا على هذه الآية :” إنما يخشى الله من عباده العلماء ” يعني ب “العلماء الذين يخافون قدرته فمن علم أن الله على كل شئ قدير أيقن بمعاقبته على المعصية “ثم ساق رحمه الله آثارا عن بعض الصحابة والتابعين تقوي هذا وتنصره.
3_القيادة التربوية الاجتماعية:وفيها يقول الأنصاري يرحمه الله تعالى “وهي الانتصاب لتربية الخلق بماآتاه الله من علم وصلاح في نفسه وبمااكتسب في طريق ذلك كله من بصيرة قلبية وخبرة دعوية وصناعة تربوية حتى انقدحت في قلبه الحكمة .
وللاتصاف بهذه المنزلة العظيمة مظاهر وأمارات يتصف بها صاحبها وهي التي يعبر عنها الشيخ الطنطاوي حين يقول “ومن أمارات العالم تحقيق مسألة من مسائله لم تحقق أوتصنيف كتاب لم يسرق من كتب الأوائل أوابتكار أسلوب يقرب العلم للناس .
ويواصل قائلا: “ومن صفات العالم احتمال النقد ورد الحجة بمثلها والبعد عن السفه والطيش والبذاء والتنزه عن التزلف إلى العامة بالحشويات وإلى الأمراء بالنفاق.
ونستخلص مماسبق أن منزلة العالِم منزلة عظيمة جليلة قليل من يحصل شروطها ويأخذ بأسباب إحرازها خصوصا في عصرنا الذي عبثت فيه العولمة بكل شئ وانجر الناس تحتها وشغلتهم عن دينهم ودنياهم وإن كانت هذه الأمة كمابشر الحبيب لاتخلوا من قائم لله بحجة.
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.