المؤسسات الزكوية .. مقترحات للحالة الموريتانية/ سيدي محمد ابيطات

منذ أن فرض الله الزكاة على المسلمين في العام الهجري الثاني والزكاة تلعب دورا مهما في سد خلة المحتاج، والنهوض بأعباء مختلفة في خدمة الدين والمجتمع، وكان تطبيق هذه الشعيرة محل اهتمام كبير من النبي صلى الله عليه وسلم، ثم من العلماء والأمراء باعتبارها ركنا مهما من أركان الإسلام الخمسة.   ففي العهد النبوي كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث السعاة إلى المناطق المختلفة لجمع الزكاة، وكان عليه الصلاة والسلام والخليفتان من بعده يأخذون الزكاة من كل الأموال، إلى أن فوض عثمان بن عفان رضي الله عنه في خلافته أداء الزكاة إلى ملاكها عن الأموال الباطنة.   وتعتبر الزكاة أحد المصادر المهمة لبيت مال المسلمين، حيث إن هذا البيت يجمع الزكاة بمختلف أنواعها وأموال الغنائم والفيء والأموال الضائعة وأموال من لا وارث لهم… وقد اتفق الفقهاء على أن للإمام جباية زكاة الأموال الظاهرة (الزروع والمواشي والثمار والمعادن) والأموال الباطنة (الذهب والفضة وعروض التجارة والركاز).   ولم يزل الاهتمام بالزكاة يزيد وينقص من عصر إلى آخر حتى جاء العصر الحديث، والذي تميز بظهور مؤسسات خاصة تعنى بهذه الشعيرة، وتحاول الاستفادة من مستجدات العصر في جمع وتوزيع الزكاة.   مؤسسات الزكاة: مؤسسات الزكاة هي هيئات قانونية منظمة تجمع الزكاة وتوزعها وفقا لأحكام الإسلام وتحت إشراف ورقابة الدولة.   وقد نشأت مؤسسات في عدد من الدول الإسلامية، انتبهت إلى ضرورة تنظيم العمليات المتعلقة بالزكاة، وكان من هذه المؤسسات ما يعتمد أسلوب الاختيار في جمع الزكاة من دون أن يلزم أصحاب الأموال بدفعها، ويكتفي بالوازع الشرعي دافعا إلى إعطاء الزكاة المستحقة في المال، حيث لا تخول النظم القانونية لها إجبار المالك على الأداء، ومن أمثلتها ذلك القانون الكويتي والقانون الجزائري.   وهناك مؤسسات تعتمد الأسلوب الإلزامي في قوانينها لجمع الزكاة، كما في القانون السعودي والسوداني والماليزي والباكستاني واليمني.   وتوجد في العالم الإسلامي اليوم مؤسسات عالمية تعنى بتطوير الأداء في هذه الشعيرة، منها: الهيئة العالمية للزكاة التابعة لمنظمة المؤتمر الإسلامي، ولها فروع في كل من مصر والسينغال وماليزيا والسودان، والاتحاد العالمي لتعظيم شعيرة الزكاة ويضم في عضويته 31 دولة، ومقره الخرطوم. ومنها المنتدى الدولي للزكاة ومقره في العاصمة الأندنوسية جاكرتا   تاريخ الهيئات الزكوية في العالم الإسلامي: يعود ظهور مؤسسات الزكاة في العصر الحديث إلى العقود الأولى من القرن الرابع عشر الهجري، والعقد الثاني من القرن العشرين، وإن كان أغلبها حديث النشأة يعود إلى الثمانينيات من القرن العشرين. وفيما يلي عرض موجز لعدد من الدول الإسلامية ذات التجربة في هذا الميدان: ـ مصر: صدر في مصر قانون منذ الثلاثينيات من القرن العشرين ينظم عمل الجمعيات الأهلية والمؤسسات التي تعنى بشأن الزكاة، وتم تعديل هذا القانون في الستينيات والتسعينيات من القرن العشرين، وفي مطلع الألفية الثالثة.   ـ السعودية: في المملكة العربية السعودية صدر مرسوم ملكي سنة 1951م باستيفاء الزكاة الشرعية من الأفراد والشركات السعوديين، ثم قرار وزاري في نفس السنة بتكليف مصلحة ضريبة الدخل بأعمال تحقيق وتحصيل الزكاة الشرعية، وصدر بعد ذلك العديد من المراسيم الملكية والقرارات الوزارية المعالجة لكيفية تطبيق المراسيم الملكية خاصة فيما يتعلق بتقدير الزكاة وجوانب توزيعها والعقوبات المترتبة على مانعها.   ـ ماليزيا: تعتبر ماليزيا من الدول السباقة في هذا الموضوع، وكانت البداية في خمسينيات القرن العشرين، وكانت تجمع الزكاة على مستوى الولايات من المزارعين لمحصول واحد وهو الأرز، وتم تأسيس بيت الزكاة والمال عام 1980م، ووضع تحت سلطة الحكومات المحلية لولايات ماليزيا.   والهيئة المختصة بالزكاة في ماليزيا هي مركز جمع الزكاة التابع للمجلس الإسلامي للقطاع الفيدرالي، وتقوم شركة متخصصة بالإشراف على الزكاة، وتحصل على 10% من نصيب “العاملين عليها” مقابل خدماتها الإدارية.   وتعتبر ولاية سلانغور أول ولاية ماليزية تنشئ مؤسسة خاصة بالزكاة عام 1994، ويقتصر دور الدولة فيها على الرقابة والتدقيق المحاسبي فقط.   ـ باكستان: وفي باكستان صدر قانون جزئي للزكاة سنة 1979م ثم قانون الزكاة والعشر سنة 1980م، وفي عام 1982م كان في باكستان 32000 لجنة للزكاة. وهناك هيئة للزكاة على مستوى فيدرالي تهتم بتطبيق القانون وتجمع وتوزع الزكاة المفروضة من خلال الإشراف على لجان الزكاة المحلية في الأقاليم.   ـ الأردن: صدر أول قانون خاص لتفعيل الزكاة في المملكة الأردنية الهاشمية سنة 1944م، وفي سنة 1978م صدر قانون صندوق الزكاة، ثم قانون في سنة 1988م أعطى الشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري للصندوق تحت إشراف وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية.   وتتكون موارد صندوق الزكاة الأردني من الزكاة وزكاة الفطر والصدقات والتبرعات والهبات والأضاحي والنذور.   ـ اليمن: منذ العام 1962م أخذ التنظيم الرسمي لتطبيق فريضة الزكاة في اليمن أشكالا مختلفة، حيث كانت البداية في صورة إدارة عامة تابعة لوزارة الخزانة، استمر العمل بها حتى 1975م. وفي 18 مارس 1975م صدر قرار جمهوري بإنشاء مصلحة الواجبات التي تسعى إلى جباية وتحصيل أموال الزكاة وتوزعها على مستحقيها.   وخضعت هذه المصلحة لتغيير وإعادة ترتيب في بعض الأوقات، وألغيت سنة 2001م، واستبدلت بالإدارات العامة للواجبات الزكوية الخاضعة لإشراف السلطات المحلية في المحافظات، وهو إجراء ترى بعض الدارسات أنه شكل انتكاسة لتطبيق فريضة الزكاة في اليمن.   ـ ليبيا: صدر قانون الزكاة في ليبيا سنة 1391هـ، الموافق لسنة 1971م، وتضمن القانون أربعة أبواب جمعت أحكام الزكاة والإجراءات الخاصة بجمعها، والعقوبات، والأحكام العامة.   ـ البحرين: صدر في البحرين سنة 1979م قانون لإنشاء صندوق للزكاة، يتمتع بالاستقلال المالي والإداري، ويخضع لإشراف وزارة العدل والشؤون الإسلامية، وقد جعل الزكاة تطوعية، وأعطى الحق للمزكي في تحديد الجهة التي يريد أن ينفق فيها زكاته.   ـ السودان: أنشئ صندوق الزكاة في السودان بقرار جمهوري في ذي القعدة عام 1400 هـ، الموافق لإبريل سنة 1980م، وكان معنيا بدعوة المسلمين إلى أداء الزكاة والصدقات بصفة اختيارية لا إلزامية، إحياء لتلك الشعيرة، وتشجيعا على الإحسان والبذل والعطاء.   ومرت التجربة السودانية بمراحل بدأت بالأسلوب التطوعي للزكاة، ثم الجمع بينها وبين الضرائب مع إلزامية جباية الزكاة، ثم الفصل بين الزكاة والضرائب، ثم إصدار قوانين الزكاة وتحسينها. وتميزت هذه التجربة بإنشاء جهاز إداري خاص للزكاة، وتأسيس معهد لعلوم الزكاة.   ـ الكويت: تأسست لجان الزكاة في الكويت سنة 1981م، وفي سنة 1403هـ الموافق 1982م صدر قانون بشأن إنشاء بيت الزكاة كهيئة عامة ذات ميزانية مستقلة، لها الشخصية الاعتبارية، وتخضع لإشراف وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية.   ـ فلسطين: في الأراضي الفلسطينية بدأت اللجان الطوعية المكلفة بجمع الزكاة وتوزيعها تسجل في الدوائر الرسمية منذ سبعينيات القرن العشرين، وساهمت في سد الفراغ الذي خلفه تردي الخدمات الاجتماعية والطبية بعد اندلاع الانتفاضة الأولى، وتطورت هذه اللجان الخيرية إلى جمعيات خيرية إسلامية، ولجان للزكاة تعمل في هذا المجال.   وفي سنة 2008م تأسست هيئة الزكاة الفلسطينية، وهي هيئة وطنية مستقلة، تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، والأهلية القانونية لمباشرة الأعمال والتصرفات التي تكفل لها تحقيق أغراضها، وتتمتع أموال الزكاة بالاستقلالية التامة.   ـ قطر: صدر في قطر سنة 1991م قانون بإنشاء صندوق الزكاة، حاصل على إعفاء ضريبي على كافة تعاملاته، ويخضع لإشراف وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، ويهدف إلى جمع أموال الزكاة والصدقات وصرفها في مصاريفها الشرعية، وتوعية المسلمين بفريضة الزكاة ودورها في حياتهم.   ـ الجزائر: كان إنشاء صندوق الزكاة في الجزائر سنة 2003م. ويتكون الهيكل التنظيمي لصندوق الزكاة الجزائري من جهاز إداري وجهاز إعلامي وجهاز رقابي. وسعى هذا الصندوق إلى تحصيل أموال الزكاة وإعادة توزيعها وصرفها لمستحقيها. وقد حقق نتائج جيدة رغم حداثة تجربته قياسا على عدد كبير من الدول الإسلامية الأخرى السباقة في موضوع مأسسة الزكاة.   الدوافع والفوائد: تلعب المؤسسات الزكوية أدوارا مهمة ومختلفة حيث تساهم في حركية الادخار الكلي والاستثمار الكلي، وتلعب أدوارا مهمة في توزيع الدخول والثروات، وفي مجالات التوظيف والاستخدام. وثمت دوافع متعددة تدعو إلى إنشاء هذه الهيئات سواء كانت تنظيمية أو اقتصادية أو اجتماعية…   وتعمل مؤسسات الزكاة على تحقيق جملة من الأهداف منها: العمل على تجسيد ركن من أركان الإسلام ومحاربة كنز الأموال ومنعها من مستحقيها، ومحاربة التضخم، وتشجيع الاستثمار، وتوظيف العناصر البشرية بما يحد من البطالة، وتحقيق التوازن الاقتصادي بين الفقراء والأغنياء.   وتوفر الهيئات الزكوية مجالات متعددة للتوظيف في المؤسسة أو في المشاريع الاستثمارية، وتساهم في زيادة حصيلة الزكاة وتطوير الفقه الاجتهادي للزكاة ورفع مستوى الوعي بأهمية الزكاة وأدوارها، وتعمل إعادة توزيع الدخل وإشراك جميع المصاريف في الزكاة وإحياء روح الصدقة والإنفاق، كما تتيح إيجاد حلول شرعية عملية لكثير من القضايا المتعلقة بالزكاة.   ويمكن للزكاة عبر هذه المؤسسات أن تنتقل من دورها المباشر في إعانة الفقراء والمساكين إلى التدخل في عصب الحياة الاقتصادية من خلال التأثير في الإنتاج.   مقترحات للحالة الموريتانية: من الواضح أن السعي إلى إنشاء هيئة للزكاة في موريتانيا جاء متأخرا قياسا بمعظم الدول في العالم الإسلامي، وهو تأخر يستدعي المبادرة إلى تأسيس هذه الهيئة في أسرع وقت، لكن تلك العملية لا بد أن تكون مصحوبة بجملة الإجراءات تخدم نجاح هذه المؤسسة، ومنها: ـ الاستفادة من تجارب الدول الإسلامية في هذا الموضوع، وهي تجارب كثيرة ومتنوعة، وذلك بدراستها ونقدها، ثم اختيار ما يكون ملائما منها للبيئة الموريتانية. ـ تعيين شخصيات تتمتع بمصداقية كبيرة في المجتمع، بعيدة عن الشبهة والتلطخ بلوثات السياسة والصراعات، واعتماد ذلك ما أمكن في مختلف مستويات المؤسسة، من أعلى شخصية في هرمها الإداري إلى آخر عامل فيها، لأن مصداقية المؤسسة ستستمدها بالدرجة الأولى أو الثانية من تلك الشخصيات المشرفة عليها. ـ فصل أموال الزكاة عن بقية مداخيل الدولة، ذلك أن مصارف الزكاة خاصة، لا يجوز إعطاؤها لغيرهم، وقد كان ذلك هو الشأن عند المسليمن، أن يفصلوا الزكاة عن سائر أموال بيت المال، كما قال ابن يوسف رحمه الله: مال الصدقة والعشور لا ينبغي أن يجمع إلى مال الخراج، لأن الخراج فيء لجميع المسلمين، والصدقات لمن سمى الله في كتابه. ـ وضع قانون مفصل في قضايا الزكاة، يوضح الأحكام الفقهية بلغة مفهومة معاصرة، يعين النصاب بالأوقية، ويحدد المقادير الشرعية بمقاييس معاصرة (الدرهم والدينار مثلا)، ويحسم الخلاف في المسائل المحتاجة إلى ذلك. ـ إصدار فتاوى معتمدة في قضايا جوهرية حديثة تتعلق بالزكاة، منها: استثمار الزكاة، وتمويل المشاريع بالزكاة، وزكاة الشركات، وزكاة الأصول المؤجرة، وزكاة الودائع، وزكاة المؤسسات التجارية كالعيادات والمدارس الحرة، وزكاة الرواتب… ـ اعتماد طريقة في الجمع تتناسب مع الظروف المحلية لأرباب الأموال وأصحاب المزارع وملاك الحيوانات، وكذلك الشأن في التوزيع. ـ مواكبة العمل الميداني للمؤسسة بجهد إعلامي كبير وبمختلف اللغات الوطنية، من أجل التوعية بأهمية الزكاة ودور المؤسسات الزكوية في تنظيمها والاستفادة منها. وتنظيم يوم سنوي في هذا الإطار يسمى “يوم الزكاة”. ـ تجنب كل ما من شأنه أن يثير الريبة، ويبعث بالبلابل والحملات التشويهية التي إن وقعت فلا شك أنها ستؤثر على صورة المؤسسة الدينية في البلد، وعلى تطور التجربة الناشئة. ـ إقرار إدارة مستقلة للصندوق، تتمتع بكل الصلاحيات المطلوبة في تسيير المؤسسة، ومنحها كل الوسائل المادية والمعنوية المساعدة في إنجاح المهمة. ـ تعيين ممثلين في المناطق الرعوية التي تكون محل تجمع لأصحاب الحيوان، خاصة في بعض الفصول السنوية كالصيف.   هذه لمحة عامة عن أهم المؤسسات الزكوية الفاعلة في العالم الإسلامي، وتلك بعض المقترحات التي يمكن أن تساهم في إنجاح خوض التجربة في بلادنا، وهي تجربة إن ظهرت وكتب الله لها النجاح فسيكون لها بإذن الله أثر مهم في تنمية الاقتصاد، ودعم المحتاجين في المجتمع، وزيادة الوعي بضرورة التكافل والاستفادة من النظم التي جاء بها الإسلام حلا للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية.

زر الذهاب إلى الأعلى