الثقافة والمثقفون/ عبد الله محمد المصطفى

الثقافة لغة من :ثَقُفَ، ككَرُمَ وفَرِحَ، ثَقْفاً وثَقَفاً وثَقافَةً: صارَ حاذِقاً خَفِيفاً فَطِناً، فهو ثِقْفٌ، كحِبْرٍ وكَتِفٍ وأميرٍ ونَدُسٍ وسِكِّيتٍ.
[الفيروزآبادي، القاموس المحيط، صفحة ٧٩٥]
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُقَالُ: رَجُلٌ ثَقِفٌ لَقِفٌ إِذَا كَانَ مُحْكِمًا لِمَا يَتَنَاوَلُهُ مِنَ الْأُمُورِ. انْتَهَى. وَيُقَالُ: ثَقِفَ الشَّيْءَ ثَقَافَةً إِذَا حَذَقَهُ، وَمِنْهُ أَخَذْتُ الثَّقَافَةَ بِالسَّيْفِ، والثقافة أَيْضًا حَدِيدَةٌ تَكُونُ لِلْقَوَّاسِ وَالرَّمَّاحِ يُقَوِّمُ بِهَا الْمُعْوَجَّ، وَثَقِفَ الشَّيْءَ: لَزِمَهُ، وَهُوَ ثَقِفٌ إِذَا كَانَ سَرِيعَ الْعِلْمِ، وَثَقِفْتُهُ: قَوَّمْتُهُ، وَمِنْهُ الرِّمَاحُ الْمُثَقَّفَةُ، أَيِ:
الْمُقَوَّمَةُ وَقَالَ الشَّاعِرُ:
ذَكَرْتُكِ وَالْخَطِّيُّ يَخْطِرُ بَيْنَنَا … وَقَدْ نَهِلَتْ مِنَّا الْمُثَقَّفَةُ السُّمْرُ.
يَعْنِي الرِّمَاحَ الْمُقَوَّمَةَ
[أبو حيّان الأندلسي، البحر المحيط في التفسير، ٢٣١/٢].

واصطلاحا يمكن القول بأنها :ملكة وفطنة وسرعة في الفهم والعلم يقوِّم بها الإنسان الأفكار والمناهج ويزنها بميزان النظر والأثر وينقد بها المعارف والمصطلحات .
لكن أصبحت تسمعل اليوم كثيرا ويعنى بها سعة الاطلاع وكثرة المعارف والعلوم ومعرفة المكتبة العالمية بكل رفوفها وجوانبها ومعرفة الضروريات من أخبار كل صناعة وكل علم وفن أيا كان والمثقف في نظري “هو الذي يأخذ من كل فن بطرف” أوبعبارة أخرى “يعرف شيئا عن كل شئ “.
ويعرف د. عبد الكريم بكار المثقف بأنه “شخص تجاوز تخصصه الأساسي ووسع دائرة اهتمامه على صعيد القراءة والمطالعة وعلى صعيد التأثير فهو في خطابه يستهدف شريحة واسعة من الناس وهوفي الوقت نفسه يمتلك ملاحظات نقدية وينتج بعض الأفكار ذات الطابع التقني والعلاجي والمتصلة بتطوير الواقع واستشراف المستقبل ” (تكوين المفكر ص 19 ).
ويعرفه المفكر الغربي نعوم تشومسكي مبرزا دوره : “.
المثقف هو من حمل الحقيقة في وجه القوة “.
وانطلاقا من هذه التعريفات فقد كان الصدر الأول من هذه الأمة رجالا ونساء من خريجي من مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم وتابعيهم أصحاب ثقافة واسعة واطلاع شامل لكل المعارف في عصرهم فقد كان أبوبكر الصديق إضافة إلى كونه خليفة النبي مرجع الأمة الأول في الدين فتوى وإرشادا وتوجيها ذا معرفة كبيرة بأنساب العرب وأخبارها وأيامها وأعلامها وكذلك ابنته عائشة أم المؤمنين فقد كانت تحفظ للبيد بن ربيعة العامري المخضرم اثنا عشر ألف وهل المقصود ألف بيت أوألف قصيدة وفي هذا يقول البدوي:
روت له من الألوف اثنا عشر
عائشة وكل شعره درر
وكانت لها حلقة رضي الله عنها تفتي فيها الناس ويحضرها كبار التابعين ويستشكلون عليها أمور دينهم ويطرحون مشكلات عصرهم فتجيبهم بفهم ثاقب وفقه صائب ولاغرو فلقد كانت من أكبر رائدات مدرسة الحبيب .
وهذا ابن عباس حبر هذه الأمة إمام المفسرين يقول “والله ماأعلم آية من كتاب الله إلا وأعرف فيم نزلت وأين نزلت !!! ولوكنت أعلم أحدا أعلم مني بكتاب الله تبلغنيه المطايا لركبت إليه “.
وإذا نزلنا إلى عصور الأمة الموالية نجد أمثلة رائعة ونماذج ناصعة وإن شئت فاقرأ في تراجم الأئمة من أمثال مالك والزهري وأبي حنيفة والشافعي وحتى ابن تيمية وابن القيم وأضرابهم من العلماءوالعز بن عبد السلام وكل بعد الناس من هدي النبوة ومنهج النبي تقلصت هذه السمة.

وتتأكد الثقافة وسعة الإطلاع في عصرنا الذي أصبح العالم يعيش فيه على بساط واحد بسبب العولمة وتعقدت فيه الحياة المعاصرة وأصبحت المعركة فيها معركة معلومة وعقل وثقافة والرابح في الصراع من حصلها.

ليست الثقافة فقط مجرد معلومة منبتة عن الواقع والمجتمع بل تتجلى في مظاهر وأنشطة حياتية واقعية ملموسة_ كما لحظت في نماذج المدرسة الأولى_ فالثقافة لها أنماط متعددة وقوالب متباينة ومختلفة فالمثقف هو الذي يشارك في الأنشطة العامة ندوات… ومؤتمرات… وبرامج تلفزيونية …ويكتب ويحلل… ويناقش ويستنتج…صاحب تأثير وكلمة في المجتمع وله كذلك دور نضالي في الوقوف مع الحق و نقد الممارسات الاجتماعية والادراية الخاطئة ويمتلك روح تضحية تخوله الجهر بآرائه وأفكاره وملاحظاته وانتقاداته ولوعلى حساب بعض حقوقه في الحياة من أجل الناس ومصلحة الوطن.

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

زر الذهاب إلى الأعلى