اجتنبوا كثيرا من الظن /الكورى عبد البركة

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ}. وروى البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث”، وقد نأى السلف بأنفسهم عن سوء الظن لأنه سلوك شائن ذميم، حتى قال بعضهم: إني لألتمس لأخي المعاذير من عذر إلى سبعين، ثم أقول: لعل له عذرًا لا أعرفه. وقال بعض العلماء: “وكل من رأيته سيئ الظن بالناس طالبًا لإظهار معايبهم فاعلم أن ذلك لخبث باطنه، وسوء طويته؛ فإن المؤمن يطلب المعاذير لسلامة باطنه، والمنافق يطلب العيوب لخبث باطنه”. وحكى القرطبي عن أكثر العلماء: “أن الظن القبيح بمن ظاهره الخير لا يجوز”.
وحسن الظن راحة للفؤاد وطمأنينة للنفس وهذا هو دأب النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته وسلف هذه الأمة الصالح؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم المسلمين حُسن الظن، فقد جاءه رجل يقول: “إن امرأتي ولدت غلامًا أسود. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: فما ألوانها؟ قال: حُمْرُ. قال: هل فيها من أورق؟ [يعني فيه سواد] قال: إن فيها لأورقًا. قال: فأنى أتاها ذلك. قال: عسى أن يكون نزعه عِرْقٌ. قال: وهذا عسى أن يكون نزعه عِرْق”[رواه البخاري ومسلم واللفظ له].
وأخرج الحاكم وأبو داود وأحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “حسن الظن من حسن العبادة”. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: ” لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن شرًّا، وأنت تجد لها في الخير محملاً”. قال ابن سيرين رحمه الله: “إذا بلغك عن أخيك شيء فالتمس له عذرا، فإن لم تجد فقل: لعل له عذرا لا أعرفه”. وأتى الشافعيَ بعضُ إخوانه يعوده من مرض ألمَ به فقال: “قوى الله ضعفك، قال الشافعي: لو قوى ضعفي لقتلني، قال: والله ما أردت إلا الخير، فقال الإمام : أعلم أنك لو سببتني ما أردت إلا الخير”.
وعن عبد الله بن عبيد بن عمير عن أبيه قال: قال موسى عليه الصلاة والسلام يا رب يقولون بإله إبراهيم وإسحاق ويعقوب فبم قالوا ذلك؟ قال: «إن إبراهيم لم يعدل بي شيء قط إلا اختارني عليه، وإن إسحاق جاد لي بالذبح وهو بغير ذلك أجود وإن يعقوب كلما زدته بلاء زادني حسن ظن». [ تفسير ابن كثير ج / 7 ص / 22 ] ، وروي عن الفضيل بن عياض “والذي لا إله غيره ما أعطي عبد مؤمن شيئا خيرا من حسن الظن”.
فالمؤمن الصالح يبعد عن قلبه سوء الظن ويجاهد نفسه لدفع هذا الخلق الذميم، ويدعو ربه تضرعا وخفية أن يصرف عنه خواطر السوء، ويهد قلبه لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا هو ويصرف عنه سيئها لا يصرف عنه سيئها إلا هو.
فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة وإلاَّ فإني لا إخالك ناجيًا.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين