وجهة نظر تتعلق بالوحدة الوطنية/ عبد الرحمن ولد محمد حدن/ الحلقة الأخيرة

ثالثا: الجهود الشعبية:

1- الاعتراف لأصحاب المظالم بمظالمهم

   لنعْتَرِف لأصحاب المظالم بما وقع عليهم من ظلم وحيف، ونساعدهم علىرفعه واسترداد حقوقهم دون أن نحدث ضجة أو نجاري الأعداء فيمايوهموننا به من أنهم يقومون به في سبيل رفع الظلم عن المظلومين من أبناءوطننا، وهنا أطالب كل الذين وقع عليهم ظلم أن يُبعِدوا بدرجة مائة وثمانيندرجة كلَّ المتاجرين بالمطالبة بحقوقهم، فهؤلاء وبال عليهم وخطر علىالمجتمع، ولن يحققوا لهم إلا النزر القليل إنْ هم حققوه، وهم في النهاية لايخدمون إلا أنفسهم وبطريقة أستحي من ذكرها ووصفها. 

وهنا أهيب بهؤلاء الذين يستغلون مآسي مواطني بلدهم وإخوانهم لتحصيلدريهمات حقيرة أو حظوة  ومكانة.. تافهة عند الآخر أن يراجعوا أنفسهم،ويؤوبوا إلى رشدهم ويتوبوا إلى الله ويستغفروه، وليعلموا أنما يقومون به مناستغلال سيء وحقير لمآسي إخوتهم يتنافى مع المروءة والنخوة والدين..،وأن التاريخ والمجتمع لن يغفروا لهم، وأنهم بتصرفهم هذا يلحقون بأبنائهموأحفادهم عارا يلازمهم مدى الحياة.

وإني لأشد على أيدي أولئك الأشخاص وتلك المنظمات التي تنافح بصدقوأمانة وموضوعية عن المظلومين، ونرفض الاتهامات الظالمة التي يوجهها لهمالبعض دون مسوغ لا لشيء إلا لأنهم لا يتفقون معهم. ونسال الله لنا ولهمالتوفيق والسداد والقبول. 

2 – معاملة المتظلمين

أ- إن لصاحب الحق مقالا:

لذا علينا أن نَصْبِر ونَتَعامى ونَتَصَامم ونَتَغاضى عن الكثير مما نراه ونسمعهأو نسمع به من الذين قد وقع عليهم الظلم، ولنعلم أن لصاحب الحق مقالا،فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلاً أتى  رسول الله صلى الله عليه وسلمفتقاضاه فأغلظ، فهمّ به أصحابه فقال  صلى الله عليه وسلم: {دعوه فإنلصاحب الحق مقالاً} ثم قال: {أعطوه سناً مثل سنه} قالوا يا رسول الله: “لانجد إلا أفضل من سنه” فقال: {أعطوه فإن خيركم أحسنكم قضاء} فقالالرجل ( أوفيتني أوفى الله بك) رواه البخاري.  

انظروا كيف عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المتقاضي رغمالإساءة الفاحشة عليه  وعلى مقام النبوءة، ذلك أنه صاحب حق يطالب به،وقد قال الله تعالى: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم النساء: 148، أوليس لنا أن نتغاضى عما تغاضى الله عنه، وأن تكون لناأسوة حسنة برسول الله صلى الله عليه وسلم في  التسامح مع أصحابالحقوق.

بـ ـ مطالبة أصحاب المظالم بالصبر لإخوانهم

ومن جهة أخرى فليصبر أصحاب المظالم لإخوتهم في الدين والأصلوالجوار، الذين لم يشاركوا في تلك المظالم ولم يستحسنوها ولم يدافعوا عنهاولا عن مرتكبيها، وليعلموا أن الله خاطب الجميع بقوله: وقولوا للناسحسنا البقرة:83 ، وقوله: لا خير في كثير من نجويهم إلا من أمر بصدقةأو معروف أو إصلاح بين الناس النساء:114، وأن الرسول الكريم صلىالله عليه وسلم كان يقول: {من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أوليصمت}رواه الشيخان، ويقول: {وهل يَكُبُّ الناسَ في النار على وجوههم أوعلى مناخِرهم إلاَّ حصائدُ ألسنتهم}، قاله جواباً لقول معاذ رضي الله عنه: “يا نبيَّ الله! وإنَّا لمؤاخذون بِمَا نتكلَّم به؟” رواه الترمذي وقال حديث صحيح، ويقول: {.. وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِيبِهَا فِي جَهَنَّمَ} رواه البخاري. 

وليحسنوا الظن بإخوانهم جميعا ولا يأخذوا به ولا بالتهمة، ولا يتهموا النيات،فقد قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض إثم الحجرات:12 ـ وقال صلى الله عليه وسلم: {وإياكم والظن فإن الظن أكذبالحديث}رواه الشيخان، فلا تستفزنهم الشائعات، ولا يصدقوا غير العدلالخالي من العداوة والغرض، قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن جاءكمفاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين الحجرات:6، فليحذر أصحاب المظالم من أن تتملكهم أو تستهويهم روحالانتقام.

فحذار ثم حذار من زلات اللسان فإن “جرح السنان يلتئم وجرح اللسان لايلتئم”.

3 –  أن نعلم علم اليقين:

1.​أن على قادة المجتمع والفاعلين فيه من دعاة وائمة وعلماء وإعلاميينوسياسيين وغيرهم أن يشيعوا هذه المفاهيم حتى يستوعبها الجميع ويتبناها.

2.​أنْ لا تفاضل بيننا إلا بالتقوى، يقول الله عز وجل: إن أكرمكم عندالله أتقاكمالحجرات:13، ويقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: { (يا أيهاالناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي،ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلابالتقوى}الإمام أحمد في المسند.

3.​أن ديننا واحد، وأنه يفرض علينا أن نعيش سَوِيَة في وئام وإخاءوتعاون ومحبة، قال الله تعالى: وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا علىالإثم والعدوان المائدة:2

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: {لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه مايحب لنفسه}رواه الشيخان، ويقول: {والكلمة الطيبة صدقة}رواه الشيخان،ويقول: {لا تحقرنّ من المعروف شيئا, ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق}رواهمسلم، ويقول:  { لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا .. التقوىهاهنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات ، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاهالمسلم كل المسلم على المسلم حرام ، دمه وماله وعرضه}رواه مسلم، وهذا كلهمن الأمور التي يتعبد الله بها ويتقرب إليه بها.. 

4.​ـ أن التمسك بهذا الدين والانقياد له والتسليم بما جاء به هو وحدهالعاصم والمُنْجِي لنا من كل حيف وغبن وتهميش وإقصاء.. وهو المانع بإذنالله من ظلم بعضنا لبعض أو احتقاره أو التكبر عليه أو همزه ولمزه…، فماأصابنا ما أصابنا إلا بسبب بعدنا منه. 

5.​أننا من وطن واحد هو موريتانيا، ولنا فيه نفس الحقوق وعلينا نفسالواجبات، وأنه إذا ضاع ضِعْنا كلنا دون استثناء، ومن هذا المنطلق يتحتمعلينا أن لا نقوم بأي تصرف فردي كان أو جماعي من شأنه أن يضربوحدتنا وانسجامنا مهما كانت الدواعي والمظالم، لأن مصلحة الوطن فوقكل اعتبار وكل مظلمة!، فلنتق الله ولنتعاون جميعا على بناء وطننا وحمايتهمن كل الزلازل والهزات. 

6.​أن يربأ السياسيون بأنفسهم ويبتعدوا عن توظيف المطالبة بالحقوقورد المظالم في السياسة، وأن لا يكون همهم هو الاستفادة بدلا من الإفادة.  

7.​أن النظم الاجتماعية القديمة  التي كانت تُسَيَّر بها الحياة فيمجتمعنا لم تعد صالحة في أغلبها لمسايرة هذا العصر، مما يستوجبمراجعتها وإحلال نظام عادل سلس مكانها يكرم الإنسان ويحترمه ويقدره،ويرفع عنه القيود الاجتماعية الظالمة، ويساوي بين جميع المواطنين بغضالنظر عن أصلهم ولونهم وشريحتهم وجهتهم وفقرهم وغناهم، وأن علىالمجتمع جميعه أن تُقَدِّم كلُّ وُحْدَة منه في ريفٍ أو مدينة أو قرية أو اكْصَرْ) مَنْ َوقَع عليهم ظلم النظام الاجتماعي في الأعمال والتعليم المحظريوالنظامي والمزايا الاخرى، وأن يُنْزِلوهم منزلة الإخوة في الدين والنسبوالجوار في المخالطة والمصاهرة والمجالسة والتزاور والتهادي والتهانئ..،وبسط الوجه والكف، ويُشركوهم في سياساتهم الداخلية، ويقدموا للإمامةوالوظائف المجتمعية والعامة من يصلح منهم لذلك، وأن يتنازل الميسورونالذين أعطاهم الله سعة في الرزق-طواعية بدون مَنٍّ ولا أذى وبطيب نفسوسخاوتها ابتغاء وجه الله عز وجل- لإخوتهم المحتاجين الذين يلونهم عنبعض ممتلكاتهم ماشية كانت أو مساكن أو غير ذلك، وأن يتنازل طواعيةكذلك أصحاب الأراضي والمزارع عن قسم من أراضيهم ومزارعهم التييعمل في العادة فيها هؤلاء. 

8.​أنه لا يحتقر العمال وأصحاب المهن إلا المتكبرون الجهلة المتخلفونالذين لا يفهمون الإسلام ولا يتذوقون طعم نعمة الأخوة التي جعلها بينالمسلمين، ولا يقدرون مقتضيات الحياة، لأن الإسلام مجد العمل وأشادبالعاملين، فهذا رسول الله صلى الله وسلم يقول: { ما أكل أحد طعاماً قطخير من أن يأكل من عمل يده ، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده }رواه البخاري وغيره، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم على أنالاحتطاب على الظهر خير من السؤال: {والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكمحبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلا يسأله أعطاه أو منعه} رواه البخاري، ويقول المصطفى الرافعي رحمه الله في مثل هؤلاء الذين لادور لهم في الحياة قولته المشهورة: “إذا أنت لم تزد على الحياة شيئا فأنتزائد عليها”، وهذا ما لا يرضاه وضيع لنفسه فضلا عن شريف، وعليه فلا بدللمجتمع من أن يعيد نظرته للمهن وأصحابها ويعتبرهم من صناع الحياةالذين ينبغي إجلالهم وتقديرهم والإشادة بهم وبصناعاتهم، ويقتنع بأن نظرتهالسلبية هذه مخالفة لما جاء به الإٍسلام ولما عليه العالم من الإشادة بالعمالوتقديرهم.. 

9.​أن علينا جميعا أن نتفهم مظالم كل متظلم من مواطني بلدنا ونؤازره ونقف معه، ونسعى سعيا جادا لإنصافه وغلق ملف مظلمته، وعلى المتظلمأن يرتفع ويترفع عن الخطاب القبلي والشرائحي والفئوي والقوميوالجهوي…، فَحَسَبَ التجربة لم يزد هذا الخطابُ المجتمعَ إلا تَشَظِّيَّا وتمزقاوتفككا، واستحداث حساسيات بالغة الضرر، وإثارة نعرات خطيرة، وكانسببا في ملاسنات مستقبحة لا تليق بمن وقعت منهم، ومشاحنات بين الإخوةوالأصدقاء، وفَتْحِ نافذة واسعة دخل علينا الأعداء منها، ولم يَعُد بنتيجة تُذْكرعلى أصحاب المظالم.

10.​أن بعض إخوتنا تعرضوا لانتهاكات خطيرة ترتبت عليها آثار نفسيةغاية في الصعوبة، قَعَدَت بضحاياها عن مسايرة الجمهور، وعلينا أننشعرهم بإنسانيتهم ومكانتهم التي أعطاهم الله تعالى إياها وأعلنها فيقوله: ولقد كرمنا بني آدم، ونعينهم على التخلص من تلك النفسية بأننحترمهم ونكرمهم ونُولِيهم ثقتنا.

4. : التجاوز عن الماضي، والتعاون على إصلاح الأحوال: 

بناء على ما تقدم فإن من واجبنا أن نوظف هذا الرصيد الكبير المشترك  -والحمد لله رب العالمين- ونبدأ صفحة جديدة وحياة جديدة ملؤها المحبةوالإخاء، والتعارف والتفاهم والتعاون، ونتجاوز عن الماضي جميعه  -وهذايصعب على الأنفس كثيرا كثيرا، لكننا ليس لنا ألا هو، وسنحمد عاقبته بإذنالله-  ولنا أسوة في سابقة حسنة سنها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم،حيث قال: { إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركمهذا، في بلدكم هذا. ألا كل شيء من أمر الجاهلية، تحت قدميّ موضوع..}رواه مسلم، هذا إلا ما كان من دم أو مال أو عِرْض معلوم، فذلك محلهالقضاء دون غيره، وعليه أن يؤدي واجبه بمسؤولية ونزاهة وسهولة ويسر،فليلجأ أصحاب المظالم إليه، ومن كانت لديه شهادة على شيء من هذهالمظالم فليؤديَنَّها بصدق ويسر أمام القضاء كما أمره الله.

إخوتي الأعزاء، علينا أن نطوي صفحة الماضي بما فيه، بالرغم من مرارتهوتذمرنا منه وعدم رضانا عن الممارسات الفظيعة التي كان مسرحا لها،ونستغفر الله للجميع ونتسامح ويعذر بعضنا بعضا، ولا يَحْمِل أي منا حقداولا كراهية للآخر، وهذا هو المناسب، بل هو الواجب الذي يسهم في الحلويقود إلى المحبة والانسجام والتعايش السلمي المتفق مع ما يدعو إليه ربناعز وجل في قوله: تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولاتسألون عما كانوا يعملونالبقرة:134، ويكرس الجهود والطاقات لإصلاحالوضع المختل الذي نعيشه – حاليا – بكل مرارة، ويحتاج إلى جهودناوتعاوننا جميعا.

وإن لمن الخطأ أن يُنَصِّب البعضُ نفسه محاميا بل شرطيا ينافح -بعنفأحيانا وكانه واقف في مسرح جريمة هو المتضرر منها- عن جنسه أو لونه أوشريحته أو قبيلته أو قومه أو ولايته أو قريته..، وتراه مستعدا لبذل كل الأثمانويضحي بإخوانه وعلاقاته  في سبيل ذلك بما فيه حياته فضلا عما دونها،وهذا لعمري لهو عين الحماقة والخطر الممحق…الذي “يأكل الأخضرواليابس”، لذا يجب علينا جميعا أن نتجنبه ونحاربه بقوة، لما يؤول إليه -لاقدر الله- من عواقب سيئة لا تحمد عقباها، ولا يستفيد منها على الإطلاق إلاالأعداء، إذ من المتعارف عليه بين الناس “أن من لم يصبر كلمة صبر ضربةومن لم يصبر ضربة صبر قتيلا”، وأن “الفتنة تأكل الأخضر واليابس”، وهذارسول الله عندما ضرب رجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَالْأَنْصَارِيُّ : “يَا لَلْأَنْصَار”ِ، وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ : “يَا لَلْمُهَاجِرِينَ.” فَسَمِعَ ذَاكَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ : {مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ ؟} . قَالُوا : “يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَار”ِ. فَقَالَ :  {دَعُوهَا؛ فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ}رواه الشيخان.

وهذا حَبْر اليهود: زيد بن سَعْنَة – قبل أن يسلم – يستقضي رسول الله صلىالله عليه وسلم  قبل حلول الأجل بيومين، فيقول: ” أتيته فنظرت إليه بوجهغليظ ثم أخذت بمجامع قميصه وردائه فقلت أقضني يا محمد حقي فو اللهما علمتكم بني عبد المطلب لمطال لقد كان لي بمخالطتكم علم فنظرت إلىعمر وعيناه تدوران في وجهه كالفلك المستدير ثم رماني ببصره فقال يايهودي أتفعل هذا برسول الله صلى الله عليه وسلم فو الذي بعثه بالحق لولاما أحاذر قوته لضربت بسيفي رأسك قال ورسول الله صلى الله عليه وسلمينظر إلى عمر رضي الله عنه في سكون وتؤدة وتبسم ثم قال: {يا عمر أناوهو كنا إلى غير هذا منك أحوج أن تأمرني بحسن الأداء وتأمره بحسنالتباعة اذهب به يا عمر فاقضه حقه وزده عشرين صاعا من تمر مكان مارعته}البيهقي في سننه الكبرى ج 6/  ص 52 حديث رقم: 11066. 

انظروا إلى سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وهو يعامل هذا اليهوديالمتعجرف الظالم الذي آذاه في نفسه وأهله وقومه ومع ذلك لا تزيده هذهالمعاملة المستنكرة والقاسية إلا عفوا وصفحا ومجازاة بالحسنى، أفلا نتأسىبه فنصبر ونعفو ونصفح ونَتَحَلَّم ونَبْتسم في وجوه إخوتنا جميعا، وليكنديدننا التقدير والاحترام والابتسامة والكلمة الطيبة، ومراعاة مشاعر الآخرينمهما تكن الظروف والأحوال.

إخوتي الأعزاء إنه لجدير بنا أن نضيف إلى تأسينا بالسنة التي سنها لنارسولنا الأعظم صلوات الله وسلامه عليه بتجاوزه عما ارتكب من أخطاءوفظائع في زمن الجاهلية أن نستلهم بعض التجارب الناجحة في التصالح،وخصوصا تجربتي جنوب أفريقيا ورواندا، فهاتان الدولتان وقعت فيهماحروب أهلية طاحنة زاد ضحايا إحداها عن مليون نسمة، وشارك فيهاالمسؤولون والضباط والجنود والمليشيا وغيرهم، وبما أن  هناك إرادة شعبيةورسمية صادقة وقوية للتصالح وصل بهم الأمر إلى حد أن تتبادل نساءالهوتو والتوتسي أبناءهن ليتربى كل منهم في قومية الآخر تناسيا للماضيودعما للسلام المستقبلي، ومن الكلمات المأثورة عن الزعيم الراحل: نيلسونمانديلا الذي كرس حياته لتوحيد شعبه شعب جنوب أفريقيا، قوله: “التسامحالحق لا يستلزم نسيان الماضي بالكامل”، فإذا كان التسامح مشروطابنسيان الماضي، فمتى سيقع؟، وقوله: “الظلم يسلب كلا من الظالم والمظلومحريته”، وعليه فمن سيكون المنتصر؟، وقوله: “والشجعان لا يخشونالتسامح من أجل السلام”، فلم يبق للخوف من التسامح من أجل السلام إلاالجبناء، فهل نرضى لأنفسنا أن نكون منهم؟ .    

وبمناسبة أن  كتابة هذه الورقة كانت نتيجة لكلام وقع بين اثنين من روادالمسجد، فإني أهيب وأطالب بكل إلحاح من الأئمة والعلماء والدعاة وكلالمصلحين أن يقوموا بواجبهم في التوجيه والنصح والإرشاد لأبناء المجتمعحتى يتخلصوا من هذا المرض العضال الذي يرفضه الإسلام والعصروالمصلحة العامة والذوق السليم، وان يتنادوا إلى مبادرة للإصلاح والتصالحيشترك فيها كل الخيرين من أبناء هذا المجتمع الغيورين على دينه ومصلحتهومستقبله دون تمييز ولا إقصاء لِخَيِّرٍ أيا كان. 

أسأل الله عن وجل أن يؤلف بين قلوبنا، ويصلح ذات بيننا، ويهدينا سبلالسلام، ويجبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن وأن يوفق قادتنا ليجعل مانستقبل من أمورنا خيرا مما نستدبر.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليهأنيب هود:88  

زر الذهاب إلى الأعلى