اغتيال سليماني ..قراءة أولية/د. أسامة أبو ارشيد

اغتيال قاسم سليماني لا يمكن أن يكون ردة فعل فقط على اقتحام السفارة الأمريكية في بغداد، ولا كذلك بسبب ما زعمه بيان وزارة الدفاع الأمريكية، من أنه كان يخطط لعمليات جديدة لاستهداف ديبلوماسيين وعسكريين أمريكيين في المنطقة. قد يكون ذلك عجل بالقرار، ولكن لا يختزل به، وفي كل الأحوال، فلواشنطن ثأرا يمتد عقودا مع سليماني، ومع ذلك لم تقدم على اغتياله في ما سبق، رغم أن الفرصة لاحت مرات عديدة. هذا يثير سؤالا عن ماذا استجد هنا، وما هي الإستراتيجية الأمريكية من وراء الاغتيال، إن وجدت؟
إلى الآن لا تتوفر معلومات حاسمة يمكن البناء عليها، ولكن يمكن أن نطرح بعض التصورات التفسيرية الممكنة السريعة،…
أولا، تريد إدارة ترامب استعادة الردع في مواجهة إيران، خصوصا بعد جملة من الإهانات ألحقتها طهران بها، مثل استهداف ناقلات النفط في الساحل الإماراتي في شهر حزيران/يونيو الماضي، ثم إسقاط طائرة أمريكية دون طيار في نفس الشهر، وصولا إلى قصف أرامكو السعودية في شهر أيلول/سبتمبر، وأخيرا قصف معسكر أمريكي في كركوك أواخر الشهر الماضي، والذي ردت عليه واشنطن بقصف معسكرات لكتائب حزب الله العراقية، وبعدها اقتحام السفارة، والآن اغتيال سليماني.
ثانيا، من الواضح أن سياسة “الضغط القصوى” على الاقتصاد الإيراني لم تجلب طهران عنوة إلى طاولة المفاوضات، كما كان يطمح ترامب، وربما تريد واشنطن تحريك العملية السياسية عبر تصعيد محسوب مع إيران.
ثالثا، قد تكون واشنطن استشعرت خطورة تضعضع ثقة حلفائها في الإقليم بها، ودخول روسيا والصين منافسين لها عبر المناورات البحرية المشتركة الأخيرة مع إيران في خليج عمُان، وبالتالي قد تكون عملية الاغتيال محاولة لاستعادة المبادرة، وتذكير الجميع بأن الولايات المتحدة هي القوة المهيمنة في المنطقة.
رابعا، قد تكون للعملية صلة بحسابات سياسية لترامب الذي يواجه أزمتين دولتين الآن من صنع يديه، في كوريا الشمالية (جراء إفراطه في الديبلوماسية) وإيران (جراء إهماله الديبلوماسية)، حسب تحليل ريتشارد هاس، وبالتالي قد يكون يريد الظهور بمظهر الرئيس القوي في سنة انتخابات، وإن كان هذا السبب هامشي في الحسابات الأمريكية الكبرى. فقرار بهذا الحجم قد يقود إلى حرب من الصعب اختزاله في حسابات سياسية شخصية، وإن لم يكن ذلك مستحيلا، وقد يكون لعب دورا تعضيديا.
لقد جاءت العملية مفاجئة وصادمة في الولايات المتحدة، فترامب معروف بأنه يصعد خطابيا ويتراجع عمليا. وهو لم يطلب تفويضا من الكونغرس كما يفترض حيث أن قرارا بهذا الحجم قد يقود إلى حرب. ثم إن هذه العملية تمت على التراب العراقي وهو انتهاك واضح لسيادته، وهو ما قد يعزز من مطالب القوى المحسوبة على إيران هناك بضرورة خروج القوات الأمريكية منه.
الآن، هل يعني ذلك أننا مقبلون على حرب مفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران؟
أستبعد، ولكن هذا أمر غير مستحيل. واشنطن لا تريد حربا مفتوحة ستتطلب منها حشد قوة عسكرية ساحقة في المنطقة، بما لذلك من تداعيات بشرية واقتصادية وعسكرية عليها، خصوصا وأن إيران ليست دولة بلا أنياب ومخالب، وهي قوية عسكريا. أيضا، فإن أي مفاجئات غير سارة في حرب مفتوحة قد تمس بحظوظ ترامب الانتخابية. من جانبها تدرك إيران أن مواجهة عسكرية مباشرة مع أمريكا ستعني دمارها، مهما ألحقت من أذى بالقوات الأمريكية، وهي في الغالب قادرة على ذلك. ثم إن الاقتصاد الإيراني شبه منهار جراء العقوبات الأمريكية الخانقة.
هذا يعني أننا قد نشهد معركة محدودة، والمفارقة أنها قد تكون في مصلحة الطرفين. أميركيا، لاستعادة الردع وتحريك العملية السياسية مع طهران حول برنامجها النووي. وإيرانيا، لتوحيد الشعب الإيراني المتذمر من الأوضاع الاقتصادية خلف قيادته في مواجهة عدوان أمريكي، وأيضا، لتحريك العملية السياسية المتعلقة بالملف النووي كذلك.
أما لناحية طبيعة الرد، فقد ترد إيران عبر وكلائها في المنطقة ضد المصالح الأمريكية والحلفاء الأمريكيين، مثل السعودية وإسرائيل. وقد تعمل على إغلاق مضيق هرمز لوقف صادرات النفط وخلق أزمة طاقة دولية. وقد تستهدف أيضا القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، وخصوصا في العراق وسوريا والسعودية والكويت والبحرين وقطر، كما قد تستهدف بوارج حربية أمريكية في الخليج العربي ومحيطه، ولكن الخيارين الأخيرين قد يعنيان إطلاق شرارة مواجهة مفتوحة ومباشرة مع واشنطن، خصوصا إذا سقط قتلى أمريكيون.
باختصار، الوضع مفتوح على كل الاحتمالات، والثابت الوحيد أن تصعيدا سيقع، فإيران لا يمكنها السكوت على مثل هذه الإهانة. ورغم عدم رغبة الطرفين في مواجة عسكرية مفتوحة، إلا أنها تبقى احتمالا قائما جراء خطأ محتمل في حسابات طرف من الطرفين.
ولي عودة في الأيام القادمة بتحليل أكثر عمقا بناء على المعلومات التي ستتاح.