الفقه والخارجون على السلطان، نازلة في البلاد السائبة / محمد الأمين الشيخ بن مزيد

الحمد لله أما بعد

فقد سئلتُ عن نازلةٍ نزلت بالبلاد السائبة، وهي أن خارجا خرج على أحد سلاطين الوقت، وأعانه آخرون، ودافع عن السلطان الأول مدافعون، وسقط في ذلك قتلى وجرحى، وبقيت البلاد بلا قائم بالأمر يومين اثنين، ثم عاد الأمر إلى الأول، واختفى القائمون عليه في غمار الناس، ثم أفتى بعض الناس بأن للسلطان أن يفعل في هذا الوقت ما يراه ، وأن الأمورَ المتعلقةَ بـ ” أمنِ البلاد” خارجةٌ عن دائرة الفتوى، واقعةٌ تحت نظر السلطان.

هذا تلخيص النازلة

فما حكم قتال السلطان الأول للخارجين عليه؟

وما حكم الدفاع عنه ومعاونته ؟
وما حكم الدماء والأموال التي أتلفت ؟

وهل للإمام أن يتصرف طبقا لهواه ؟ أم لا بد أن يكون تصرفه طبقا للمصلحة والشرع ؟
فأجبت وبالله التوفيق

1-أما قتال الخارجين فمذهب السادة المالكية أنه لا يجوز إلا للإمام العدل قال خليل بن إسحاق في مختصره في باب البغي ” فللعدل قتالهم . ” قال الخرشي في شرح مختصر خليل (8/60):
“فعلى العدل قتالهم لا غيره، لاحتمال أن يكون سببُ خروجهم عليه فسقَه وجورَه”.
وكذا قال أبو البركات أحمدُ الدردير في الشرح الكبير (4/299) إن غير العدل ” لا يجوز له قتالهم لاحتمال أن يكون خروجُهم لفسقه وجوره . “
قال محمد عرفة الدسوقيُّ تعليقا على ذلك : ” بل يجب عليه أن يتوبَ ويقاتلَ.”
قال ابن يونس : ” وإن كانوا يظلمون الواليَ الظالم َفلا يجوز لك الدفعُ عنه ، ولا القيامُ عليه ، ولا يسعك الوقوفُ عن العدل ، كان هو القائم أو المُقام عليه ، قال عياض : انحدر المأمونُ إلى محاربة بعض بلاد مصر ، وقال للحارث بن مسكين : ما تقول في خروجنا هذا ؟ فقال أخبرني ابنُ القاسم عن مالك أن الرشيدَ سأله عن قتال أهل دهلك ، فقال : إن كانوا خرجوا عن ظلم السلطانِ فل يحل قتالهُم . نقله أبو عبد الله محمدُ بن يوسفَ العبدريُّ الشهير بالمواق في كتابه : التاج والإكليل لمختصر خليل (6/277).

وقد نقل الذهبي هذه القصة في تاريخ الإسلام في ترجمةِ الحارث بن مسكين (18/213) وفي سير أعلام النبلاء (12/56).


2- أما الدفاع عن السلطان الأولِ ومعاونتُه فمذهب السادة المالكية أن القائمَ بالأمر إذا كان عدلا وخرج عليه خارجٌ وجبت معاونته ، وأما إذا كان غير عدل فلا يجوز الدفاع عنه، قال ابن عرفة : ” لو قام على الإمام قائمٌ وأراد إزالة ما بيده ، فقال الصقليُّ : روى عيسى عن ابنِ القاسم عن مالك رضي الله عنه : إن كان مثلَ عمر بن عبد العزيز وجب على الناس الذبُّ عنه والقيام معه ، وإلا فدعه ينتقم الله من ظالم بظالم ثم ينتقم من كليهما.

“نقله الشيخ محمد عليش في منح الجليل شرح مختصر خليل ( 9/195).


وقال أبو البركات أحمد بن محمد بن أحمد الدردير : ” وأما غير العدل فلا تجب معاونته … كما أنه لا يجوز له قتالهم”.
قال محمد عرفة الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير (4/299): “بل يجب عليه أن يتوب ويقاتل”.

بل أجاز المالكية في هذه الحالة معاونةَ الخارج العدل قال سحنون : ” إن كان غير َعدل وخرج عليه عدلٌ وجب الخروج معه ليظهر دين الله تعالى ،وإلا وسعك الوقوفُ إلا أن يريد نفسك أو مالك فادفعه عنهما، ولا يجوز لك دفعُه عن الظالم. ” انظر منح الجليل (9/159).


وقال محمد عرفة الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير (4/299) :” إلا أن يقومَ عليه إمامٌ عدلٌ فيجوز الخروجُ عليه وإعانة ذلك القائم”.


3- أما الدماء والأموال التي أُتلفت بتأويل فمذهبُ السادة المالكية أنه لا ضمان على متأول وأن الخارج على غير العدل كالمتأول.

قال خليل في مختصره ( وضمن المعاند النفس والمال والذميُّ معه ناقض ).

قال محمد عليش : “لأن الصحابة رضي الله عنهم أهدرت الدماء التي كانت في حروبهم، فإن بقي المال بعينه في يده وجب عليه رده لمستحقه ، وغير المتأول يأثم ويضمن النفس والمال والطرف والفرج فيقتص منه ، ويغرم عوض المال إن أتلفه و إلا رده بعينه ، كما ذكره الشارح وغيره.

ابن عرفة الشيخ عن ابن حبيب عن ابن الماجشون وأصبغ إذا وضعت الحرب أوزارها، فإن كان أهل البغي ممن خرج على تأويل القرآن كالخوارج وضعت عنهم الدماء وكل ما أصابوه إلا ما وجد من مال يعرف بعينه فيأخذه ربه منح الجليل (9/202).

قال أبو البركات أحمد بن محمدبن أحمد الدردير في أقرب المسالك في باب البغي ” ولا يضمن متأولٌ مالا ولا نفسا.”
قال في الشرح الصغير (4/429) “ولا يضمن باغٍ متأولٌ في خروجه على الإمام مالا ولا نفسا أتلفهما ، ولا إثم عليه لتأوّله ، بخلاف الباغي غيِر المتأول فعليه الضمانُ والإثم حيث كان الإمام عدلا ، إذ الخارجُ على غير العدل كالمتأول”.


وقال المواق نقلا عن ابن شاس: “وما أتلفوه في الفتنة فلا ضمان فيه من نفس ولا مال ، هذا إن كانوا خرجوا على تأويل . ” انظر التاج والإكليل لمختصر خليل (6/279).

4- أما تصرفات الإمام فهي خاضعة للشرع محكومة بالدين ولا يجوز له أن يتصرف طبقا لهواه وإنما يتصرف تنفيذا لأوامر الله فالإمامة كما قال ابن خلدون المالكي : ” خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين و سياسة الدنيا به. ” وقد نص الفقهاء على أن تصرفات الإمام منوطة بالمصلحة ، فلا يجوز له أن يتصرف إلا طبقا لها ، قال القرافي المالكي في كتابه القيم : الفروق في الفرق (223) : “اعلم أن كل من ولي ولاية الخلافة فما دونها إلى الوصية لا يحل له أن يتصرف إلا بجلب مصلحة، أو درء مفسدة، لقوله تعالى ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ) ( سورة الأعراف : 152)ولقوله عليه السلام: “من ولي من أمور أمتي شيئا ثم لم يجتهد لهم ولم ينصح فالجنة عليه حرام” فيكون الأئمةُ والولاةُ معزولين عما ليس فيه بذلُ الجهد، والمرجوحُ أبدا ليس بالأحسن، بل الأحسنُ ضده ، وليس الأخذ به بذلا للاجتهاد، بل الأخذ بضده، فقد حجر الله تعالى على الأوصياء التصرف فيما هو ليس بأحسن، مع قلة الفائت من المصلحة في ولايتهم لخستها بالنسبة إلى الولاة والقضاة، فأولى أن يحجر على الولاة والقضاة في ذلك، ومقتضى هذه النصوص أن يكون الجميعُ معزولين عن المفسدة الراجحة، والمصلحة المرجوحة، والمساوية ، وما لا مفسدة فيه ولا مصلحة، لأن هذه الأقسامَ الأربعةَ ليست من باب ما هو أحسنُ، وتكون الولايةُ إنما تتناول جلبَ المصلحةِ الخالصةِ، أو الراجحةِ، ودرءَ المفسدةِ الخالصة، أو الراجحة، فأربعة معتبرة، وأربعة ساقطة، ولهذه القاعدة قال الشافعي رضي الله عنه: لا يبيع الوصي صاعا بصاع لأنه لا فائدة في ذلك، ولا يفعل الخليفة ذلك في أموال المسلمين”.

فتلخص أن تصرفات السلطان محكومة بالشرع، مقيدة بالمصلحة، وليس له أن يتصرف طبقا لهواه.

والله أعلم .

زر الذهاب إلى الأعلى