لئن شكرتم لأزيدنكم / الكوري عبد البركة


قال الله تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)، هذه الآية تفيد أن شكر النعم سبب لزيادتها فضلا عن دوامها واستمرارها وأن كفر النعم سبب لحلول العذاب والنقم فضلا عن زوال النعم وفقدانها.
وقد أمر الله تعالى بالشكر ونهى عن ضده؛ فقال: (وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) وقال: (وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ).
والشكر هو ظهور أثر نعمة الله تعالى على عبده؛ على لسانه ثناء واعترافا وعلى قلبه شهودا ومحبة وعلى جوارحه انقيادا وطاعة، وهو مبني على خمس قواعد هي: خضوع الشاكر للمشكور وحبه له واعترافه بنعمته وثناؤه عليه بها وأن لا يستعملها فيما يكره.
ومنزلة الشكر من أعلى المنازل، وهي تفوق منزلة الرضا؛ فالشكر رضا وزيادة، لذلك فقد وصف الله به خواص خلقه؛ فقال عن إبراهيم: (شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) وقال عن نوح: (إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا) وقال عن داوود وسليمان: (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) وقال عن لقمان: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ)، وأخبر بأن أهل الشكر هم المنتفعون بآيات الله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ).
وقد أدرك السلف الصالح فضل الشكر ومنزلته في الدين فوصفوه بعبارات لطيفة وبديعة وجزلة؛ قال مطرف بن عبد الله: (لأن أعافى فأشكر أحب إلي من أبتلى فأصبر)، وقال الحسن البصري: (إن الله ليمتع بالنعمة ما شاء فإذا لم يشكر عليها قلبها عذابا)، وقال عمر بن عبد العزيز: (تذاكروا النعم فإن ذكرها شكر)، وقال مخلد ابن الحسين: (كان يقال الشكر ترك المعاصي)، وقال عون بن عبد الله: (قال بعض الفقهاء: إني نظرت في أمري فلم أر خيرا إلا وشر معه إلا المعافاة والشكر، فرب شاكر في بلائه ورب معافى غير شاكر فإذا سألتموهما فاسألوهما جميعا).
ومن أعظم ما يعين على أداء الشكر لله عدة أمور: منها الدعاء فقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم معاذا فقال له: (والله يا معاذ إني لأحبك فلا تنس أن تقول في دبر كل صلاة اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)، ومنها استحضار كمال قدرة الله وغناه المطلق وكمال رحمته ولطفه بالعباد: (وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ)، ومنها كثرة تفكر العبد في النعم التي لا يستطيع أن يحصيها من إيمان وأمن وسلامة في البدن والمال والأهل والولد وغير ذلك (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ)، ومنها تأمل العبد في عظيم جزاء الشكر في الآخرة وثوابه العاجل في الدنيا وفي عذاب كفر النعم في الآخرة ومحق النعم في الدنيا، وتفكره في عظم السؤال عن النعم حين الوقوف بين يدي الله عز وجل؛ (ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ). قال ابن عباس في تفسير النعيم: (النعيم صحة الأبدان والأسماع والأبصار يسأل الله العباد فيما استعملوها وهو أعلم بذلك منهم). وقال مجاهد: (عن كل لذة من لذات الدنيا).
فعلم من ذلك كله أن مقام الشكر مقام عظيم على الداعية المصلح أن يبذل جهده في تبوئه وارتقائه، ومن أمارات ذلك كثرة لهجه بالذكر والتفكر والقيام بشتى أوجه الطاعة والعبادة من صيام وقيام وصلاة وصلة وصدقة وذكر ودعاء.
والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.

زر الذهاب إلى الأعلى