الزواج السري، المخاطر والعلاج / أم المؤمنين ازعور

جعل الله سبحانه وتعالى الزواج بين المرأة والرجل آية من آياته وتكريما لبني آدم وحفاظا على جنسهم من الانقراض وحرص على عيشهم في أنس ومودة ورحمة؛ قال تعالى: ((وومن ءاياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)).

وقد وضع الشرع لهذه الآصرة قواعد وأحكاما وضبطها بضوابط وتشريعات تضمن إقامتها على أساس رصين وبناء سليم، بدءا بالاختيار ومرورا بمراسيم العقد وانتهاء بحياة الأسرة ودورها فللرجل حقوقه وواجباته وللمرأة حقوقها ودورها وكذا لبقية أفراد الأسرة من أطفال وغيرهم.

لكن ظهرت أنواع عدة من هذا الزواج لا يحرص أصحابها على الإعلام بزواجهم بل يتكتمون عليه وينفرون من تبعاته، وهو ما بات اليوم يعرف بزواج السر أو بالمصطلح الدارج “السرية”.

فما هو الزواج السري؟ وماهي أنواعه وأحكامه؟ وما مدى انتشاره في مجتمعنا؟ وما مبررته؟ ماهي سلبياته وإيجابياته؟

يختلف الزواج السري ويتغير حكمه باختلاف صيغ عقده، حيث يقول الشيخ محمود شلتوت: “الزواج السري أنواع ومنه؛ السري الذي تولي العقد فيه الطرفان دون أن يحضره شهود، ودون أن يُعلَنَ، ودون أن يُكتب في وثيقةٍ رسمية، ويعيش الزوجان في ظله مكتومًا، لا يَعرفه أحدٌ من الناس سواهما، وأجمعوا على أنه باطل لفقْده شرط الصحة، وهو الشهادة، والنوع الثاني الذي يحضره الشهود ويأُخذ عليهم العهْد بالكتمان، وعدم إشاعته والإخبار به، فقد اختلف الفقهاء في صِحَّتِهِ بعد أن أجمعوا على كَراهَته: فرأتْ طائفة أن وُجود الشهود يُخرجه عن السرية؛ والشهادة وحدها تُحقِّق العلانية؛ وإذنْ فلا تأثير في صحة العقد للتوصية بالكتمانِ، ويرى الإمام مالك وطائفة من أهل العلم أن التوصية بالكِتْمان تَسلب الشهادة رُوحَها والقَصْدَ منها، وهو الإعلان الذي يَضمن ثبوت الحقوق ويُزيل الريبة، ويَفصل في الوقت نفسه بين الحلال والحرام كما جاء في الحديث الصحيح “فَصْلُ ما بيْنَ الحلال والحرامِ الدُّفُّ والصَّوْتُ”. والشهادة التي تُحقق الإعلان المَقصود هي التي لم تقترن بالتوصية على الكتمان، ومُجرد العدد لا يُزيل السِّرِّيَّة؛ وكم من سِرٍّ بين أربعة وبين عشرة لا تزول سريته ما دام القوم قد تواصوا بها وبُني العقد عليها؛ ولعلَّ المجالس الخاصة التي يعرفها اليوم أرباب الفُجور المشترك من أوضح ما يدل على أن كثيرًا ما يكون بيْن أكثر من اثنينِ. وإذا كان الزواج السريُّ بنوعيْه الذي لم يحضره شهود، أو حضروه مع التوصية بالكتمان دائرًا بين البطلان والكراهة، وأنه يَحمل السرية التي هي عنوان المُحرم كان جديرًا بالمسلم ـ الذي شأنُه أن يترك ما يُريب إلى ما لا يُريب أن يمتنع عنه، ولا يقدم عليه، ولا يزجُّ بنفسِه في مداخله الضيِّقة التي لا تُحمد عاقبتُها”. انتهى الاستشهاد.

وقد انتشر الزواج السري “وخصوصا الذي يطلب طرفاه التكتم عليه” في المدن الموريتانية الكبيرة انتشارا واسعا وكثر ضحاياه وضاعت بموجبه أنساب وحقوق وتقطعت بسببه أرحام.

تقول السيدة “ق س”: (كنت أسكن في ضواحي تكند وجاءنا رجل محترم المحيى معلوم النسب والخلق ويعمل في أقدم أسواق العاصمة وطلب مني الزواج على شرط أن له زوجة في منطقة من مناطق الوطن ولا يرغب في أن تسمع بالخبر فيفقد مكانته في أهله ومجتمعه فوافقت وأنا أم عيال لا معيل لهم بعد فترة من الزمن ظهرت علي علامات الحمل وهو معنا وطلقني ورزقت بطفلة سميتها “أم” ولما بلغت سن الدراسة جئته وطلبت منه أوراقه لأعمل أوراقا لابنتنا، فقال لي بأنه لا يعرفني ولا يعرف الطفلة ولا يعترف بها، تفاجأت منه كثيرا وخفت منه! كيف يخاف على سمعته في أهله ولا يخاف من حقوق بنته؟!).

وتعتبر المرأة هي المتضرر الأول من الزواج السري فكثيرا من حالاته تكون بسبب البحث عن المادة، ولذلك تتنازل رضا للزوج عن بعض حقوقها فتضيع جميع حقوقها في أول خلاف أو بوفاة مفاجئ أو غير ذلك من الأسباب، والقصص في هذا المجال حية كثيرة وأصحابها يروونها بألم ومعاناة.

يقول الشاب “أحمدو”: (عشت حياتي وحيد والدتي وأخوالي كرام يوفرون لي كل حوائجي وكلما سألت عن أبي يقولون لي لماذا تسأل عنه وهو لم يسأل عنك وفي يوم من أيام 2008 جلست مع والدتي وقلت لها أمامك خياران حددي لي أيهما أفضل بالنسبة لك؛ قالت ما هما؟ قلت لها إما أن توصليني إلى والدي وأهلي؛ أو تقولي لي أن لا نسب لي ولا خيار ثالث!. سألت الأم عن سكن الوالد فإذا به انتقل من جوارهم في الميناء إلى عرفات ولما وصلت الدار في عرفات وسألت عنه قالوا لها فلان توفي قبل سنتين، فسألت عن أخيه وذهبت إليه ولما جاءته هي والشاب قالت له هذا ابن أخيك “خ” فقال لها مرحبا بكما لكنني لم أشرف على تركة أخي وكانت في يد ابن عمنا شيخ مسن عالم ورع هيا نذهب إليه، فلما ذهبوا إليه طلب منها أن تثبت حجتها بشهود، وذكرت له رجلين عدلين مسالمين يعملان في سوق الميناء وكانت قد أشهدتهما على حملها وميلاد ولدها، ولما رجعت إلى الرجلين إذا بأحدهما قد توفي والأخر أصبح شيخا ضعيفا فذهب معها العالم وحدثه بالتفاصيل فرد العالم للفتى نصيبه من تركة والده واختلف إخوته بين مرحب به وبين رافض لذلك). لكن الأكثر ألما في هذه القصة هو أن الرجل توفي وهو وولده يسكنان مقاطعة واحدة ولم يجر بينهما أي اتصال ولا صلة رحم أحرى أن يقوم الأب المتوفى بالحقوق الواجبة عليه تجاه ولده نفقة وتربية ورعاية.

وتتعدد أنوع الزواج السري بتعدد أغراضه ينتشر في صفوف النساء المطلقات والمعيلات اللواتي يبحثن عمن يعيلهن، وبغض النظر عن تبعات ذلك وتداعياته، ينتشر في صفوف الرجال الذين تسكن أسرهم في مناطق نائية فيتخذون من الزواج السري سكنا وراحة دون حقوق كبيرة وبعيدا عن مسامع وأعين الأهل.

وقد تسعى إلى الزواج السري النساء اللواتي تقدم بهن العمر ويخفن من خروج سن الإنجاب دون ذرية؛ تقول السيدة “أم”: (جاءني الشاب ع وطلب مني الزواج لكن بشرط عدم الإنجاب لأنه يدرس في المدرسة العسكرية ويكتم الموضوع عن أهله فوافقت وبعد ثلاثة أشهر من استعمال موانع الحمل توقفت عن استعمالها دون علمه وبعد فترة ظهرت علي علامات الحمل فطلقني. ورزقت بطفلتي الوحيدة).

كما أن هناك دوافع أخرى للزواج السري منها الإشباع العاطفي خصوصا في ظل الرفض الاجتماعي للتعدد، ومنها قلة تكاليفه فلا غلاء في المهور فيه ولا ولائم ولا عادات، وكثيرا ما ينتشر هذا النمط في صفوف الشباب والطلاب. ينضاف إلى ذلك اللهث خلف العادات والتقاليد في الأنساب، ومنها ارتفاع التكاليف المادية للزواج ومنها كثرة التبعات (الخطبة، الحناء، نهاية الأسبوع…) ومنها سيطرة العادات الاجتماعية وتحكمها (رفض الفقير، الطبقية….).

ولا يخفى على ذي بصيرة ما ينجم عن الزواج السري من مخاطر وسلبيات عويصة أبرزها ضياع الحقوق وانقطاع النسب وقطع الأرحام والتفكك الأسري.

مقاربة الحل:

تكمن أهم الحلول لمشكلة الزواج السري في القضاء على أسبابه من خلال تعليم كل قادم على هذا المشروع أحكامه الشرعية رجلا كان أو أمرأة حتى يعرف ماله وما عليه فيؤدي الذي عليه ويعين في أداء الآخر حرصا منه على نجاح بيته. نحن الآن نبني البيوت على رغبات آنية تزول وتتغير وتبقي البيوت في وهن. تخفيف تكاليف الزواج وتيسيره وفتح الباب أمام كل راغب فيه توفرت فيه الشروط الشرعية لحمل تلك الأمانة. وكذا محاربة العادات والتقاليد المبينة على الطبقية والعنصرية والجهوية وعلى مظاهر البذخ والإسراف، ومنها توطيد الصلات بين المجتمعات حتى تتعارف الأسر وتحفظ الأنساب ويكفل الجميع القبول بالتعدد اجتماعيا لمن قدر عليه ووجد من يقبل به، وكذا الحرص على نشر العفاف تعليما وتثقيفا ومساعدة في كل المراحل.

كل ذلك من أجل أن يتحقق الهدف الذي شرع الله له الزواج وهو تكوين بيت مسلم وتربية أهله تربية صالحة وتضيف بناء صالحا للأمة وتسر النبي صلي الله عليه وسلم يوم القيامة.

زر الذهاب إلى الأعلى