فنون من بلاغة القرءان٢/مريم أمبيريك

الجناس فى القرءان

يعتبر علم البديع أساس البلاغة نسبته إليها كنسية المركب إلى أفراده فكما أن المركب لا يستقيم دون أفراده فعلم البديع لا يستقيم دون علم البيان وعلم المعانى .
الجناس فن من البديع يسمى التجنيس والمجانسة والتجانس وهو (تشابه اللفظين فى عدد الحروف وترتيبها(الجناس التام) أو فى أغلبها وأغلب ترتيبها (الجناس الناقص) ولكل منهما أنواع وتسميات كثيرة يضيق المقام عن ذكرها
من الجناس التام ما يقع بين الاسم والاسم كقوله صلى الله عليه وسلم (أول من يدخل النار سلطان لم يعدل فى سلطانه.) رواه الديلمى
وبين الاسم والفعل كقول أبى تمام
ما مات من كرم الخصال فإنه@
يحيا لدى يحي بن عبد الله
وبين الاسم والحرف كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حديث الصحيحين (إنك لن تنفق نفقة تبتغى بها وجه الله تعالى إلا أجرت عليها حتى ما تجعل فى فى إمرأتك) والأجناس من أهم المحسنات اللفظية ورود مرات فى القرءان الكريم وفى الحديث الشريف
قال البغدادي:( يزيد من رونق الشعر ويجلى عاطل معانيه وهو عنوان الفصاحة وشاهد الاتساع فى اللغة ودليل على توقد الذكاء وجودة الذهن ومساقة الخاطر) قانون البلاغة ص٨
بل إن بعض البلاعيين يناقشه من حيث دلالته المعنوية خاصة ما ورد منه في القرءان الكريم فقد رأى القاضى عبد القاهر الجرجاني فى كتابه دلائل الاعجاز أن ما ورد فى القرءان من جناس له دلالات معنويةكبيرة موازاة لدلالته اللفظية
وأدرج الرومانى الجناس فى أبواب المعانى وناقش شواهده من باب المعنى قبل الجرس اللفظى
واعتبر الألفاظ خدما للمعانى مالكة لسياستها مستحقة لطاعتها) أسرار البلاغة ص٦

يقول الجرجاني(…..ومرجع الجناس اللفظ المنصرف الى المعنى ” إذ لو كان باللفظ وحده لما كان منه مستحسن ومستهجن) أسرار البلاغة ص١٧
والجناس فى القرءان راعى المعانى البيانية الساحرة للألباب المعجزة للبلغاء موازاة مع جرسها ونغمها اللفظيين المعجزة كذلك
من ذلك :
١_ قوله سبحانه:
(ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يوفكون)الروم الآية ٥٥
جناس تام بين الاسمين الساعة بمعنى القيامة والساعة بمعنى الحيز الزمنى القصير أما دلالته المعنوية فيذكر منها تعريف الساعة فى دلالتها الأولى يوم القيامة فهى معروفة لا ينكرها إلا كافر قيل سميت بهذا الاسم لأنها تأتى فى ءاخر ساعة من الدنيا
وتنكير هذا اللفظ في قوله (ما لبثوا غير ساعة) فساعة نكرة دلت على قصر الحيز الزمنى الضيق والذى زاد من ضيقه فى أعين الكافر الخوف مما ينتظره
٢من الجناس التام أيضا فى القرءان (ألم تر أن الله يزجى سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار يقلب الله الليل والنهار إن فى ذلك لعبرة لأولى الأبصار) النور الآية ٤٢ يقول الزمخشرى رحمه الله فى هذه الاية(….. فبدأ بالابصار لعامة المبصرين وثنى بالابصار لعامة المفكرين ) وهذا ما يحمل حسنا معنويا كبيرا يضاهى الحسن اللفظى فى تجانس الابصار فى العيون و البصائر فى العقول لم يرد الجناس تاما فى القرءان إلا فى هتين الآيتين. من الجناس الذى اختلفت فيه بعض الحروف أو اختلف ترتيبها قوله سبحانه فى قصة رجوع الهدهد من غيبته التى اطلع فيها على شأن بلقيس ملكة سبإ إلى نبي الله سليمان عليه السلام ٣ (.فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين..) النمل ٢٢
جانست الآية بين سبإ نبإ
باختلاف السين والنون ومع ذلك بقى الحسن فى اللفظ والمعنى
يقول الجرجاني فمع أن كلمة نبإ تجانس سبإ فهى كذلك ذات وقع معنوى لا يمكن أن تأتى به كلمة غيرها فالنبأ بمعنى الخبر لكنها تزيد عليها معنى دقيقا تقتضيه دهشة الهدهد مما سينقل من أخبار ( هذا مقتضى تعليقه فى كتاب دلائل الاعجاز بتصرف يسير اقثضاه الاختصار)
من ذلك أيضا
٤قوله سبحانه عن الكفار: (ذلك بما كنتم تفرحون فى الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون) غافر الآية ٧٥ التجانس اللفظى واضح بين الفعلين تفرحون وتمرحون مع زيادة معنى فى المرح لا يوجد فى الفرح إذ المرح أبلغ من الفرح ترتبت عليها بالعطف ٥قوله سبحانه
(وهم ينهون عنه وينئون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون)
الأنعام الآية ٢١
كفار قريش ينهون غيرهم عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم
ثم ينأون بأنفسهم عنه فجاء القول منهم بنهيهم الغير ثم تلاه الفعل بنأيهم هم انفسهم
٦قوله سبحانه (ويل لكل همزة لمزة) الهمزة الآية ١ جانست الآية بين همزة ولمزة فجاء التهديد لكل من همز أو لمز وهمز بمعنى أغتاب وعض ولمز بمعنى طعن وقدح و وهما معنيان متقاربان يؤدى الأول منهما إلى الثانى ٧قوله سبحانه:
(والتفت الساق بالساق إلى ربك يومئذ المساق) القيامة الآيتان ٢٩٣٠ هذا نوع من الجناس تزيد فيه حروف إحدى الكلمات على الأخرى إذ جانست الآية بين الساق والمساق بزيادة الميم فى الكلمة الثانية وهو المردوف ٨ومنه قوله سبحانه:
(إن ربهم بهم يومئذ لخبير) العاديات الآية ١٢
جاء الجناس المردوف المتوج بين كلمتى: ربهم و بهم
.(…وفوق حرف أول متوج) السيوطي فى ألفية البلاغة
٩_ومن الجناس المتناسب فى اللفظ ايضا فى القرءان قوله سبحانه فى شأن المؤمنين
(وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة)
التجانس فى اللفظتين ناضرة وناظرة
مع نضارة الوجوه الخاصة بالمؤمنين فى ذلك اليوم إكرام تلك الوجوه أيضا بالنظر إلى البارى سبحانه
قال الزمخشرى :(ينظرون فى ذلك اليوم إلى أشياء لا يحيطها الحصر فهم نظارة ذلك اليوم إذ هو الآمنون فيه )
اللهم أجعلنا منهم يا منان يا رحيم يا كريم

يتواصل بإذن الله

زر الذهاب إلى الأعلى