الإثباتية للشهادة الطبية والإشكالية المثارة / أحمد عبد الرحمن سيدنا

مقدمة: تشمل وظيفة الطبيب في المجتمع فضلا عن علاج المرضى، تحرير الشهادات الطبية لمختلف الأغراض التي تتطلبها الحياة العصرية، بحيث أصبحت عملية تقديم هذه الشهادات جزءا لايتجزأ من ممارسة الطبيب لدوره وواجباته مجتمعيا.[1 ]

ويمكن تعريف الشهادة الطبية كما عرفها البعض بأنها:((سند مكتوب مخصص لمعاينة أو تفسير وقائع ذات طابع طبي )).[2 ]

وتكتسي هذه الشهادة في المجتمعات المعاصرة أهمية بالغة، نظرا لتعدد أبعادها.

فإلى جانب طابعها الطبي باعتبار أنها مظهر من مظاهر ممارسة الطب، فإن لها انعكاسات تتجاوز ذلك المجال لتشمل مجالات أخرى مهنية وقضائية واجتماعية.

وإذا كانت هذه الأهمية التي تحظى بها هذه الشهادة ترجع إلى الثقة التي يضعها المجتمع في الطبيب، فإن هذه الثقة تعتبر محور الإشكالية التي يطرحها الموضوع.

ذلك أن الاعتراف بالقيمة الإثباتية لهذه الشهادة من جهة يقتضي من جهة أخرى إثارة الإشكالية المتعلقة بمدى صحة إنشائها.

ولمعالجة هذا الموضوع سنقوم بالتطرق للقيمة الإثباتية للشهادة الطبية (المطلب الأول) والإشكالية المثارة المتعلقة بمدى صحة إنشائها(المطلب الثاني )، وذلك مراعاة لضوابط المنهجية.

المطلب الأول: القيمة الإثباتية للشهادة الطبية

إن منح قوة إثباتية للشهادة الطبية يقتضي بيان أساسها (الفرع الأول ) وتحديد نطاقها (الفرع الثاني ).

الفرع الأول: أساس القوة الإثباتية للشهادة الطبية 

إذا كان نظام الإثبات الجنائي الموريتاني يتميز بعدم تقييد وسائله،[3 ] فإن نظام الإثبات المدني يتميز على العكس من ذلك.

لذلك يكون ضروريا لأجل منح قوة إثباتية للشهادة الطبية أمام القضاء المدني أن نحاول البحث لها عن أساس ضمن وسائل الإثبات التي يقررها التشريع المدني.[4 ]

وعليه إذا كانت الشهادة الطبية الصادرة عن أطباء القطاع العام لاتثير إشكالا، مادامت تعتبر ورقة رسمية صادرة عن موظف عام في إطار اختصاصه وبالتالي تستمد قوتها الإثباتية من هذه الصفة، فإن الإشكال يثار بالنسبة للشهادة الطبية الصادرة عن أطباء القطاع الخاص.

لذلك فإن قبول الشهادة الطبية الصادرة عن أطباء القطاع الخاص كوسيلة للإثبات أمام القضاء المدني، لايمكن أن يكون إلا بوصفها كتابة، استنادا على نص المادة 415 من القانون الموريتاني للالتزامات والعقود التي تنص على أن:((الدليل الكتابي ينتج من ورقة رسمية أو عرفية، ويمكن أن ينتج . . . من كتابة أخرى)).

ولعل هذه الأسباب إضافة إلى المكانة الخاصة لمصدر الشهادة الطبية كشخص يتمتع بامتياز قانوني ويخظى بثقة المجتمع، هي التي جعلت بعض الفقه [5 ] يرى في هذه الشهادة سند شبه رسمي. 

الفرع الثاني: نطاق القوة الإثباتية للشهادة الطبية 

إن موضوع الشهادة الطبية من حيث المبدأ هو واقعة صحية تهم الشخص المفحوص، لذلك يثار التساؤل عن نطاق القوة الإثباتية الممكن منحها لهذه الشهادة، سواء من حيث الموضوع متى تضمنت واقعة غير طبية، أو من حيث الزمن باعتبار أن الصحة الإنسانية قابلة للتغير والتطور المستمر. 

فمن حيث الموضوع نستطيع أن أقول أنه لاتثبت الحجية بالنسبة للشهادات الطبية الصادرة عن أطباء القطاع العام بوصفها أوراقا رسمية، إلا بالنسبة للوقائع ذات الطابع الطبي التي تتضمنها، على اعتبار أنها وحدها التي تدخل في إطار مهمة الطبيب الذي حررها.[6]

ونعتقد أن نفس ذلك ينطبق أيضا على الشهادات الطبية الصادرة عن أطباء القطاع الخاص، رغم أنها لاتتمتع بالصفة الرسمية، بالنظر إلى أن هذه الشهادات إنما تستمد قوتها الإثباتية من صفة محررها، أي من اختصاصه كطبيب.

أما من حيث الزمن إذا لم يكن شرط صحة في الشهادة الطبية لعدم وجود مبرر للبطلان، فإنه شرط لمصداقيتها.[7 ]

ذلك أن القيمة الإثباتية للشهادة الطبية يكون أكبر كلما كانت الفترة الفاصلة بين تاريخ إنشائها وتاريخ معاينة الواقعة المشهودة بها أقصر.

المطلب الثاني: الإشكالية المثارة المتعلقة بمدى صحة إنشاء الشهادة الطبية

يقتضي إثارة الإشكالية المتعلقة بمدى صحة إنشاء الشهادة الطبية إلى التطرق لشروط صحة هذه الشهادة (الفرع الأول  ) والمسؤولية المترتبة عن إنشائها (الفرع الثاني ).

الفرع الأول: شروط صحة إنشاء الشهادة الطبية

يشترط لصحة إنشاء الشهادة الطبية توافر شروط موضوعية، وأخرى شكلية.

الفقرة الأولى: الشروط الموضوعية المتطلبة لإنشاء الشهادة الطبية  

الشروط الموضوعية التي يجب توفرها لإنشاء الشهادة الطبية توفر صفة طبيب في الشخص الذي يتولى تحريرها، سواء كان طبيبا يزاول مهنته في القطاع العام أو في القطاع الخاص، وسواء كان طبيبا عاما أو طبيبا متخصصا، أو طبيبا مدنيا أو عسكريا، وأيضأ أن يقوم الطبيب بإخضاع طالب الشهادة الطبية للفحص الطبي، بحيث لايسوغ له أن يكتفي بمجرد النظر بالعين المجردة وطرح الأسئلة، أو بالتصريح الذي يقدمه المعني بالشهادة عن حالته الصحية.

الفقرة الثانية: الشروط الشكلية المتطلبة لإنشاء الشهادة الطبية

 
الشروط الشكلية المتطلبة لإنشاء الشهادة الطبية أن تكون الشهادة الطبية مكتوبة، وموقعة، ومؤرخة بالنظر إلى أن الحالة الصحية للإنسان تتسم بالتغير والتطور المستمر.

ولايشترط القانون شكلا معينا للكتابة، كما لايشترط أن تكون مكتوبة بلغة معينة، الأمر الذي يتيح كتابتها بأي لغة أخرى، لكن يجب أن تكون واضحة ومفهومة .

كما يجب أن يكون التوقيع في أسفل الورقة.

الفرع الثاني: المسؤولية المترتبة عن إنشاءالشهادة الطبية

 
يترتب عن إنشاء الشهادة الطبية مسؤولية مدنية، ومسؤولية جنائية، ومسؤولية تأديبية. 

الفقرة الأولى: المسؤولية المدنية للطبيب عن إنشاء الشهادة الطبية  

إن تحديد المسؤولية المدنية للطبيب عن الشهادة الطبية مرهون بضرورة تحديد الإطار القانوني الذي يزاول من خلاله مهنته، والأمر لايخلو من حالتين اثنتين، الأولى في حالة الطبيب الممارس في القطاع الخاص بصفتها مهنة حرة في العيادات الخاصة، مسؤولية الطبيب في هذه الحالة عقدية مبدئيا، أساسها إخلال الطبيب بالتزاماته التعاقدية الناشئة عن العقد الطبي، واستثناء تكون تقصيرية في حالة انعدام العقد، خاصة إذا علمنا أن الضرر قد يلحق شخصا غير الذي وصفت حالته الصحية في الشهادة الطبية، والحالة الثانية هي التي يكون فيها الطبيب منشئ الشهادة الطبية يزاول مهنة الطب في إطار الوظيفة العمومية في المستشفى العمومي، فالمسؤولية المدنية عن الشهادة الطبية في هذه الحالة لايمكن أن تكون سوى مسؤولية تقصيرية بناء على إخلال الطبيب بالتزام قانوني.

الفقرة الثانية: المسؤولية الجنائية للطبيب عن إنشاء الشهادة الطبية 

إن الثقة التي يضعها المجتمع في الطبيب وفي الشهادة الطبية التي يتولى إنشاءها وتسليمها لكل من يحتاجها، تقتضي ضرورة حماية صدق هذه الشهادة، سواء من حيث موضوعها أو من حيث مصدرها، لهذا فقد اعتبر المشرع الموريتاني على غرار باقي التشريعات المقارنة أن الطبيب مسؤولا جنائيا عن مجموعة الأفعال المرتبطة بالشهادة الطبية كتغيير الحقيقة فيها، أو استعمالها لإفشاء السر المهني، ناهيك عن استخدامها من أجل سمسرة الزبائن وجلبهم.

الفقرة الثانية: المسؤولية التأديبية للطبيب عن الشهادة الطبية 

ترمي المسؤولية التأديبية للطبيب عن إنشاء الشهادة إلى حفظ المهنة ووقارها وعدم المساس بأصولها ومبادئها الكبرى، ولهذا فإن إجراءها لا يحقق مزية المتضرر من جهة، ولايمس حرية الطبيب من جهة أخرى، ولكن يمس جانبه المهني إما بالإنذار وإما بالمنع من مزاولة المهنة أو غير ذلك.

خاتمة: إن الضرورة التي تحتم على رجل القضاء الاعتماد على الشهادة الطبية كوسيلة إثبات بالنظر إلى مضمونها الذي يخرج عن نطاق معرفته،  وفي الوقت الذي نسمع فيه عن شهادات طبية تعطى لقصد المجاملة أو لحصول على منفعة، هو الذي دفعنا إلى طرح التساؤل التالي حول مدى نجاعة النظام الحالي لمسؤولية الطبيب عن إنشاء شهادة طبية مخالفة للحقيقة؟

—————————————————————-

[1 ]_ أحمد ذياب وأنور الجراية وسمير معتوق: الشهادة الطبية، منشورات دارجيم للنشر-تونس، ص10

[2 ]_ وقد اعتمد الأساتذة أحمد ذياب وأنور الجراية وسمير معتوق نفس التعريف تقريبا حين اعتبروا أن الشهادة الطبية تمثل عملا كتابيا شبه رسمي هدفه تسجيل وأحيانا شرح حدث من نوع طبي.

ذياب والجراية ومعتوق، مرجع سابق، ص133

[3 ]_ نصت المادة 386 من قانون المسطرة الجنائية على أنه:(( باستثناء الحالات التي ينص فيها القانون على خلاف ذلك فإن الجرائم يمكن أن تثبت بجميع الأدلة الشرعية )).

[4 ]_ أنظر في هذا الصدد المادة 402 من قانون الالتزامات والعقود 

[5 ]_ ذياب والجراية ومعتوق، مرجع سابق، ص13

[6]_ عبد الرزاق السنهوري: الوسيط في شرح القانون المدني الجديد، الجزء الثاني، ص147

[7 ]_ أحمد ادريوش: مسؤولية الأطباء المدنية بالمغرب، محاولة في تأصيل فقه القضاء واجتهاد الفقه، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في العلوم القانونية من كلية الحقوق بجامعة محمد الخامس بالرباط 1984، سلسلة الرسائل والأطروحات، منشورات جمعية تنمية البحوث والدراسات القضائية، 1989، ص25

زر الذهاب إلى الأعلى