الإحساس بالزمن.. ورمزيات الأدباء لمراحل العمر / أدي آدب

في توطئة سابقة لقصيدتي: القطار/ الحياة، كتبت: “إنَّ الحَيَاةَ قِطارٌ، يندفعُ بِرُكَّابِه عبْرَ مَحَطَّاتٍ عديدة، باتجاهِ المَحَطَّةِ الأخِيرةِ، المَعْلومَةِ المَجْهُولَةِ، ويَتَجَلَّى مَدَى التَّطَابِقِ بَيْنَ الحَيَاةِ والقِطَارِ، فِي نِسْبِيَّةِ بِدَايَةَ الرحْلةِ ونِهَايَتَهَا ،حَسَبَ اخْتِلاَفِهما مِنْ شَخْصٍ لِآخَرَ، فمَحَطَّةِ النَّهَايَةِ عِنْدَ هَذا قَدْ تَكُونُ البِدَايَة عِنْدَ ذلك، وإذا كانَ نِظامُ السِّكَكِ الحَديدية، يُعْلِنُ بأجْهِزَتِه الصَّوْتِيةِ، مَواقِيتَ الرِّحْلةِ، ومَوَاقِعَ المَحَطَّاتِ، تَنْبِيهاً للرُّكَّابِ، فإنَّ نِظامَ الحَيَاةِ يُطْلِقُ صَافِرَاتِ التنبيه، عنْدَ كُلِّ مَرْحَلَةٍ ومُنْعَرَجٍ منْ رِحْلةِ العمر، ولكنَّ أغْلَبَ المُسَافِرينَ، لا يَلْتَقِطُونَ إيحاءاتِ المُنَبِّهَاتِ، ولا يُدْرِكُونَ سِوَى الضَّجِيجِ الحِسِّي الصَّاخِبِ المُزْعِجِ للغافِلينَ اللاَّهِينَ، أو حتى النائمينَ، والمُفْرِحِ بالنِّسْبَةِ للْواصِلينَ إلى المَحَطَّاتِ المُنْتَظَرَةِ المَرْغُوبَةِ، ولَعَلَّ أفْضَلَ مِنْ يَتَمَثَّلُ- مِنْ الرُّكَّابِ-عُمْقَ السَّيْرُورَةِ والصَّيْرُورَةِ في رِحْلَتَيْ القِطارِ والحَيَاةِ مَعًا ، هو الشَّاعِرُ، الذي يُجِيدُ الاسْتِغْرَاقَ في تَأمُّلِ المَشَاهِدِ مَهْمَا كانَتْ مُتَسَارِعَةَ اللَّقَطَاتِ، ويَتَمَيَّز بطَاقَةِ إحْسَاسٍ وتَمَثُّلٍ عَالِيةٍ، قَادِرَةٍ عَلَى اخْتِرَاقِ المَحْسُوسِ لاسْتِكْنَاهِ المَعْنَوِي، وإعَادَةِ تَرْكِيبَهما، وفْقَ رُؤْيَةٍ تدْمجُ المُتَفَرِّقاتٍ”
و في هذا السياق قرأت اليوم نصا من الشعر الحساني، للشاعر الموريتاني المبدع: جعفر بن كباد، لامس العمق الإنساني في وجداني، واستثار في ذاكرتي النقدية، لقطات من رمزيات الأدباء لمراحل العمر،حيث أسقط المفكر المصري: أحمد أمين مواقيت الزمن- في دورة اليوم – على تحقيبه التاريخي للحضارة الإسلامية؛ فعنون أجزاء موسوعته الفكرية بـ”فجر الإسلام”، ثم “ضحى الإسلام”، ثم “ظهر الإسلام”، وطبق الأستاذ محمود العقاد نفس الآلية الرمزية الزمنية، على سيرورة تجربته الشعرية، وصيرورة عمرها الإبداعي؛ فعنون باكورة دواوينه، يوم كان شابا ابن 27 سنة، بـ”يقظة الصباح”، والذي بعده بـ “وهج الظهيرة”، ثم “أشباح الأصيل”، و”أعاصير مغرب”، و”أشجان الليل” حتى انتهى إلى ديوان “ما بعد البعد”.
وهنا على العُدْوةِ القصْوى للعرب والأدب، نقل الشعراء الموريتانيون الشعبيون هذه الرمزية الزمنية من العنونة إلى جسد النصوص، وبنيتيها السطحية، والعميقة،حيث نجد الشاعر الكبير ابن اشفاغه اعمر، قد اتخذ-أيضا- من مفاصل اليوم الزمني ومواقيت الصلاة فيه، معادلا رمزيا، لذكرياته الحميمة، عبر مراحل عمره الماضي، في رحلته المتسارعة إلى نهايته الحتمية، جاعلا ذلك موعظة لذاته، ، تحول الوقوف علي الأطلال من باعث للعَبْرَة، إلى مدْعاة للعِبْرَة، حيث يقول:
حاجلكْ دهركْ فالعســــكرْواستطفيــــلْ، ودهركْ فاندرْ ذاكْ امنينْ؟ ودهــركْ لوْخَرْذاك امنينْ؟ احْنَ فانْجَـرْيَلِ
ذاكْ امنينْ؟ وسهوتْ لبْحرْذاكْ امنينْ؟ وعِمانْ السيْــــلْ فَكَّرْ، يولْ اتْشفَاغ اعْمـــــــرْواعرفْ عنَّكْ ما تيْتْ اطفَيْــلْ

خاظْ اعليـــــكْ الصبحْ، وُوَّلَّوخاظْ اعليكْ الزَّوالْ، اكْبَيْلْ و يا لطيفْ العصْـــــــرْ ؤصَلَّولاتَ كدَّامَكْ كونْ الليْـــــلْ
واليوم يتجاوز صديقي الشاعر المبدع : جعفر بن كباد كل هؤلاء، وينتقل في إحساسه بوطأة الزمن- رغم شبابه- إلى آلية أسقطت الرمزية الزمنية لتراتبية مقامات الموسيقي الموريتانية، على تراتبية مراحل العمر، في لفتة إبداع تناسب روح فتوته الجامحة، المتفاعلة مع وطأة رقيبه الديني الكابحة، في لحظة اشتباك بين “النفس الأمَّارة”، والنفس اللوَّامة”، عبر تراتبية ضمنية- أيضا- للمقامات الصوفية، و”مدارج السلوك”، مبتكرا معجما استعاريا مكثفا، مثل: بداية “تنكري” الوهن في مفاصل جسده، رغم انهماك قلب الشاعر في “الـتحرار” ، واستمرار محاولته “التحزام”، في الوقت الذي بدأ “لبياظ”/ الشيب يغزو “لكحال”/ سواد شعر الشباب، محاولا “التبرام” / والانتقال من مقام إلى مقام، لكن ذروة التأزم، وعقدة الحبكة، تتجلى في أنه لم يبق إلا مقام” لبتيت” المحطة النهائية لسلم موسيقانا، ودلالته الرمزية لمقام ختام العمر، وختام القصيدة الشعبية “الطلعة” المكثفة:
ألطفْ بيَ عتْ انفاصلْ@لانگري هونْ افْلمْفاصلْ
مانِ فاهمْ عنِّ فاصلْ@ فانْردْ التخْمامْ افلعْوامْ
الگلبْ امسيكينْ امواصل@فالتحرار، ؤروغ التحزام
ؤلبياظْ اعل وجهِ ناصل @من لكحالْ إروغ التبرام
والعاگبْ لبياظْ إلَ تيت@فيه الخير أنرد التخمامْ
ما گدامِ ماهُ لبتيتْ @ يلعملْ لعمارْ الگدامْ

زر الذهاب إلى الأعلى