آية وتعليق / محمد الأمين إسلم

يقول الله تعلى: { وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } سورة الأحقاف : الآية 15

قال بن كثير رحمه الله في تفسيره معلقا على هذه الاية:

لما ذكر تعالى في الآية الأولى التوحيد له وإخلاص العبادة والاستقامة إليه، عطف بالوصية بالوالدين كما هو مقرون في غير ما آية من القرآن؛ كقوله : ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ) وقوله : ( أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير )، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة .

وقال هاهنا : ( ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا ) أي : أمرناه بالإحسان إليهما والحنو عليهما .

وقال أبو داود الطيالسي : حدثنا شعبة، أخبرني سماك بن حرب قال سمعت مصعب بن سعد يحدث عن سعد قال:  قالت أم سعد لسعد: أليس قد أمر الله بطاعة الوالدين، فلا آكل طعاما، ولا أشرب شرابا حتى تكفر بالله.

 فامتنعت من الطعام والشراب، حتى جعلوا يفتحون فاها بالعصا، فنزلت هذه الآية : ( ووصينا الإنسان بوالديه حسنا).

ورواه مسلم وأهل السنن إلا ابن ماجه، من حديث شعبة بإسناد نحوه .. وأطول منه.

( حملته أمه كرها ) أي : قاست بسببه في حال حمله مشقة وتعبا، من وحام وغشيان وثقل وكرب، إلى غير ذلك مما تنال الحوامل من التعب والمشقة، ( ووضعته كرها ) أي : بمشقة أيضا من الطلق وشدته.

( وحمله وفصاله ثلاثون شهرا )

وقد استدل علي، رضي الله عنه ، بهذه الآية مع التي في لقمان : ( وفصاله في عامين )، وقوله : ( والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ) على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وهو استنباط قوي صحيح.

 ووافقه عليه عثمان وجماعة من الصحابة، رضي الله عنهم.

( حتى إذا بلغ أشده ) أي : قوي وشب وارتجل ( وبلغ أربعين سنة ) أي: تناهى عقله وكمل فهمه وحلمه، ويقال : إنه لا يتغير غالبا عما يكون عليه ابن الأربعين.

قال أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن القاسم بن عبد الرحمن قال : قلت لمسروق : متى يؤخذ الرجل بذنوبه ؟ قال : إذا بلغت الأربعين فخذ حذرك.

وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا عبيد الله القواريري، حدثنا عزرة بن قيس الأزدي – وكان قد بلغ مائة سنة – حدثنا أبو الحسن السلولي عنه وزادني قال : قال محمد بن عمرو بن عثمان، عن عثمان، عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : “العبد المسلم إذا بلغ أربعين سنة خفف الله حسابه، وإذا بلغ ستين سنة رزقه الله الإنابة إليه، وإذا بلغ سبعين سنة أحبه أهل السماء، وإذا بلغ ثمانين سنة ثبت الله حسناته ومحا سيئاته، وإذا بلغ تسعين سنة غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وشفعه الله في أهل بيته ، وكتب في السماء أسير الله في أرضه”.

وقد روي هذا من غير هذا الوجه، وهو في مسند الإمام أحمد.

وقد قال الحجاج بن عبد الله الحكمي أحد أمراء بني أمية بدمشق : تركت المعاصي والذنوب أربعين سنة حياء من الناس ، ثم تركتها حياء من الله، عز وجل .

وما أحسن قول الشاعر :

صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه * فلما علاه قال للباطل  ابطل

( قال رب أوزعني )أي : ألهمني

( أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه ) أي : في المستقبل ..

( وأصلح لي في ذريتي ) أي : نسلي وعقبي

( إني تبت إليك وإني من المسلمين ) وهذا فيه إرشاد لمن بلغ الأربعين أن يجدد التوبة والإنابة إلى الله، عز وجل، ويعزم عليها.

وقد روى أبو داود في سننه ، عن ابن مسعود ، رضي الله عنه ، أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان يعلمهم أن يقولوا في التشهد : “اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا، وأزواجنا، وذرياتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها قا بليها، وأتممها علينا”.

زر الذهاب إلى الأعلى