نقد المظالم الاجتماعية في رواية وادي الحطب/ خليهن محمد الامين


حين أكملت قراءة رواية وادي الحطب لصديقنا الدكتور الشيخ أحمد ولد البان شعرت بالرغبة في تدوين بعض الخواطر والانطباعات حول هذه الرواية وما تضمنته من قضايا وأفكار.
لست من الذين يكتبون تهميشات وحواشي على الكتب. في مرات قليلة أشعر بالرغبة في الكتابة عند الانتهاء من مطالعة كتاب، وليس ذلك إلا بسبب أن ذلك الكتاب يشكل -بالنسبة لي- عملا يستحق أن يكتب عنه.
لا أريد أن أخوض في الحديث عن الرواية من الناحية الفنية، وسأكتفي هنا بتسجيل بعض الانطباعات حول ما تضمنته الرواية من معالجات فكرية.
على أنه لا يمكنني إلا أن أسجل هنا أن الانطباع الذي تولد عندي بعد ما قرأت الرواية أن المؤلف نجح في التعبير عن ما يريد بقوة وسلاسة غير متكلفة، رغم أن روايته تتحدث عن معاني ومفردات من ثقافتنا المحلية يصعب نقلها للفصحى بشكل سلل وخال من قلق العبارة إلا لمن تكافأت قدرته التعبيرية بالفصحى وقدرته التعبيرية بالحسانية، وكان متمكنا منهما معا.
تتناول أحداث الرواية واقع مجتمع أفلَّ (الحوض الغربي) في حقبة الاستعمار الفرنسي، بل واقع المجتمع الموريتاني كله لأن واقع هذا المجتمع متشابه حد التطابق على الأقل بالنسبة للشرق الموريتاني؛ تتناول الرواية قيم المجتمع وعاداته وتقاليده وعلاقاته فيما بينه وعلاقاته بإدارة المستعمر الفرنسي وطموحه وآلامه وآماله وواقع الطبقية والعبودية داخله، وواقع المحظرة وفنون اللهو؛ الموسيقى والرقص والأدب الشعبي.
ومع تعدد القضايا التي تناولتها الرواية إلا أنه يمكن القول إنها ركزت بشكل أساسي على ثلاث قضايا كبرى، وهي: العبودية والطبقية وقضية شيوخ القبائل وعلاقتهم بالمستعمر الفرنسي.
وسأكتفي هنا بالحديث عن قضيتي العبودية والطبقية في الرواية.
العبودية في رواية وادي الحطب:
استفاضت رواية وادي في تصوير واقع العبودية في المجتمع الموريتاني في تلك الحقبة من الزمن، وفي رسم ملامح حجم الظلم الذي وقع على الأرقاء السابقين سواء فيما يخص الاسترقاق ابتداء أو فيما يتعلق بالمعاملة أو بهدر الكرامة الإنسانية.
يتبنى كاتب الرواية من خلال قصة اختطاف امسيعيد “من بين أهله وبيعه عبدا في أسواق النخاسة” وغيرها من قصص العبيد الذين وردت أسماؤهم في الرواية، السردية التاريخية التي ترى أن الاسترقاق في موريتانيا نتاج خطف الأحرار واستعبادهم، ولم ينشأ عن طريق شرعي.
ويستعرض الكاتب بأسلوبه الرشيق صورا تراجيدية من مأساة مجتمع الأرقاء والمعاملة القاسية التي كان الأسياد يعاملونهم بها. ونقتصر هنا على نماذج من تلك الصور المأساوية تعطي صورة إجمالية عن طريقة معالجة الرواية لهذه القضية، التي تمثل اليوم إحدى أبرز القضايا الوطنية:
⁃ أول تلك النماذج هو ذلك المشهد الذي يرصد صورة من الظلم المرير والمعاملة المهينة التي كان المجتمع يعامل بعها العبيد.. إنه مشهد الأسياد وهم يتبادلون النكات والسخرية من كلام ذلك العبد الذي أدعى أنه ميز صوت مسعود بذاته من بين أولئك العبيد الثلاثة الذي انطبقت عليهم بئر الحي بعد انهيارها، وانصراف الأسياد عن البئر دون اكتراث بصراخ العبيد الذين انطبقت عليهم البئر، فموت عبد عندهم “مثل نفوق دابة، بل إن نفوق الدابة أكثر أثرا في النفس من انطفاء روح عبد لئيم”. ص34.
⁃ والمشهد الثاني هو مشهد يرسم صورة للتجهيل المتعمد الذي كان يتعرض له العبيد، ويتمثل هذا في قصة امبيرك الذي تم خطفه وهو طفل صغير من بين أهله وبيعه في أسواق النخاسة لخطري، ومحاصرة هذا الأخير له ومنعه من التعليم، “شيء واحد لم يستطع خطري أن يقبله لمبيريك، إنه تعلم الحروف الهجائية رغم حرصه الشديد منذ قدومه إلى ذلك الحي، على أن يجلس إلى جانب الأطفال حاملا قطعة من لوح مكسور”. ص66.
⁃ وأما المشهد الثالث فهو مشهد فاطمة التي تم اختطافها من بين أهلها وبيعها في سوق النخاسة، وإجبارها من طرف أسيادها على الزواج من امسيعيد المجنون، ووقوف لمرورح عليها ذات يوم وهي “ساجدة تحت ظل شجرة قتاد تصلي الضحى” وشعورها “بالذعر خوفا من أن يخبر أسيادها أنها منشغلة بالصلاة عن رعاية الغنم”. ص52.
⁃ وأما المشهد الرابع فهو يلخص الوضع النفسي والمعنوي الذي آل إليه أمر العبيد من جراء المعاملة القاسية، ومثال ذلك موقف امبيريك وهو يضع على الجمل الذي سيركبه سيده سلماتي مهادا أنيقا ناعماً، بينما يضع وسادة جلدية بالية على الجمل الذي سيركبه هو. “إنه يعرف… المسافة التي يلزم أن تظل بينه وبين أسياده… ولو في طبيعة المهاد الذي سيوضع على ظهر الجمل”. ص64. بل إن الوضع المعنوي للعبيد يصل درجة أن امبيريك عند ما خطر بباله ذات يوم أن يحدث سيدته ترب فال عن تلك الفتاة الماندغينية التي أحبها كبح هذا الخاطر يقينه بأنها لن تفهم مشاعره ولن تقدر عصافير الحب المتقافزة بين جوانحه، فهو عبد لا يحق لقلبه أن يخفق، وهو في نظرهم مجرد كتلة من الطاقة المادية المسخرة للعمل الشاق. ص183.
تلك نماذج دالة على الأسلوب الذي سار عليه كاتب وادي الحطب في معالجة قضية العبودية وتدوين المآسي التي تعرض لها هذا المجتمع في الماضي، ولم يكن في ذلك مجافيا للحقيقة التاريخية ولم يجنح به الخيال إلى المبالغة وإنما كان يتحدث عن وقائع أدركنا بعضها وروي لنا بعضها الآخر عن طريق من عاصرها وعايشها.
الطبقية في رواية وادي الحطب:
أما قضية الطبقية في المجتمع الموريتاني فتمثلها في رواية وادي قصة لمعيدل، ذلك الرجل الذي حاز كل خصال الفتوة “من الشجاعة المبهرة، والقوة الخارقة، وإتقان حفظ القرآن، والمهارة المبهرة في صنعته، هذا إلى خلق سمح وأريحية آسرة. وقد قال عنه لمرابط ذات يوم إنه لو كان ابن عائلة كبيرة، ولم يكن صانعا تقليديا لاستحق زعامة المجموعة بجدارة”. ص227 وقال عنه أيضا “إنه لو كان يصح في الشريعة أن يستعاض عن الشاهدين بشاهد واحد، لقبل شهادة لمعيدل”. ص244
إلا أن هذه الخصال الكريمة لم تشفع للمعيد لدى المجتمع لأنه ينتمي قدرا لشريحة لمعلمين، وظل مجتمعه ينظر له بدونية ويعامله بازدراء، وبعقلية ترى أن مثله لا يحق له أن يدلي برأي يتعلق بشؤون القبيلة، وأنه “إنسان خلق قدرا لحرفة معينة”.
بل إن لمعيدل الذي سجن من أجل قضايا المجتمع نسيه مجتمعه وطوى ذكره بعد أن غيبته قوات المستعمر في سجونها، “لأنه ناقص الإنسانية، وليست له عصبة تحميه، وليست لهم ضمائر تعطفهم عليه” ص269 على عكس غيره من أبناء العوائل الكبيرة الذين استنفرت القبيلة للدفاع عنهم.
وفي أثناء حديثه عن الطبقية وعن قصة لمعلمين في المجتمع الموريتاني يورد ولد البان كدليل دامغ على بشاعة الظلم الذي تعرض له لمعلمين بعض الأساطير التي كونها المجتمع عن هذه الشريحة ونسبها بهتانا إلى الدين، كقولهم إن “منازل لمعلمين لا يرتفع منها الدعاء إلى السماء” وأن الصلاة فيها “أشد كراهة من الصلاة في معاطن الإبل” وتستحب الإعادة لمن صلى فيها، وكقولهم إن “لمعلمين خلقوا من روث حمار عزير عليه السلام، وأنى لمن خلق من النجاسة أن يطهر!” ص268.
وقد بذل الكاتب جهدا كبيرا في تفنيد الإنطباعات الكاذبة التي كونها المجتمع حول شريحة لمعلمين، ومن ذلك الإنطباع بأنهم غير متدينين وأن بيوتهم “مكان لاقتناص اللذات العابرة”، مبينا أن هذا ليس على عمومه فمن بين أسر لمعلمين أسر غاية في التدين ولا تقل في الاحترام عن أسر الزوايا المعروفة بالتدين وشيم النبل، مثل أسرة أهل لمعيدل التي “عرفت بالصرامة الأخلاقية…، ولولا أن وسمهم المجتمع ظلما بسمة امعلمين لكانت أسرتهم في طليعة الأسر الكبيرة في ذلك الحي” ص218.
كما يفند الكاتب الإنطباع الذي يصف لمعلمين بالشره وحب الطعام، مبينا أن “هذه طباع توجد في كل البشر، من كل الأعراق والفئات، والطبقات الاجتماعية” 243.
هذه خواطر وأفكار حول رواية وادي الحطب، وهي تعطي صورة مجملة عن بعض القضايا التي عالجتها الرواية وليس كل القضايا التي عالجتها، مما يعني أن الصورة الكلية عن الرواية لا تكتمل عند القارئ إلا بعد مطالعة الرواية بشكل كامل.

زر الذهاب إلى الأعلى