الرجل الذي يتبعه نصف مليون/إحسان عبد القدوس


اركب أي سيارة أجرة وقل للسائق: “الإخوان المسلمين يا أسطى”، ولا تزد، ولن يلتفت إليك السائق ليسألك: ماذا تقصد بالإخوان المسلمين؟ ولا أين تقع هذه الدار التي يطلق عليها هذا الاسم؟ بل سيقودك إلى هناك دون سؤال، بعد أن يرحب بك بابتسامة لم تتعود أن تراها على وجوه سائقي سيارات الأجرة، وقد يرفض أن يتناول منك أجراً.
ولا شك أنه سيُحمِّلك سلامه – قبل أن تغادره – إلى فضيلة الأستاذ حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمين – وستمر في طريقك داخل الدار بمخازن الذخيرة التي يمتلكها الإخوان: وهي الشباب، شباب امتلأت بهم حجرات الدار على سعتها، ترى على وجوههم نور التقوى والإيمان، وفي عيونهم حماسة الجهاد، وبين شفاههم ابتسامة تدعو إلى المحبة والإخاء، وفي يد كل منهم مسبحة انحنى عليها بروحه يذكر اسم الله.
وهم مع كل ذلك شبان (مودرن)، لا تحس فيهم الجمود الذي امتاز به رجال الدين وأتباعهم، ….. بل إنهم واقعيون يحدثونك حديث الحياة لا حديث الموت، قلوبهم في السماء ولكن أقدامهم على الأرض، يسعَون بها بين مرافقها، ويناقشون مشاكلها، ويحسُّون بأفراحها وأحزانها، وقد تسمع فيهم من “ينكِّت” ومن يحدثك في الاقتصاد والقانون، والهندسة، والطب.إنهم ذخيرة، عند الإشارة الأولى فاحذروا،
ويستقبلك الأستاذ حسن البنا بابتسامة واسعة، وآية من آيات القرآن الكريم، يعقبها بيتان من الشعر، يختمهما بضحكة كلها بِشر وحياة.
والرجل ليس فيه شيء غير عادي، ولو قابلته في الطريق لما استرعى نظرك، اللهم إلا بنحافة جسمه ولحيته السوداء التي تتلاءم كثيراً مع زيه الإفرنجي، وطربوشه الأحمر الغامق.
ولن تملك منع نفسك عن التساؤل: كيف استطاع الرجل أن يجمع حوله كل هؤلاء الإخوان؟ وكيف استطاع أن ينظمهم كل هذا التنظيم: بحيث إذا عطس فضيلته في القاهرة، صاح رئيس شعبة الإخوان في أسوان: “يرحمكم الله”؟!
ولكنك لا تلبث قليلاً حتى تقتنع بأن قوة الرجل في حديثه، وفي أسلوبه الهادئ الرزين، وفي تسلسل أفكاره التي يعبر عنها تسلسلاً منطقياً.
وربما كان أغرب ما في حديثه أنه يحس بما يقوم في نفسك من اعتراضات، فيجيبك عنها، ويفندها لك قبل أن يترك لك الفرصة لتصدمه بها.
وهو لبق، يستطيع أن يحلل شخصيتك، ويدرس نفسيتك من النظرة الأولى، وربما أحس أني دخلت إليه وتحت لساني مئة تهمة أستطيع أن أوجهها إليه، فكان من لباقته أن عرض علي قبل أن أغادره تقريراً عن الحسابات المالية لجماعته.
وفي هذا التقرير تقرأ عجباً:
فهذا “أخ أراد أن يسهم في شراء دار الإخوان، ولم يملك مالاً، فباع أرضه وخصص ثمن أربع مئة متر منها للجمعية، وصورة العقد والتخصيص منشورة بالزنكوغراف ضمن التقرير.
وهذه زوجة لم تجد لديها مالاً لتقدمه، فوهبت قرطها الذهبي – وكان حليتها الوحيدة – للإخوان، وصورة القرط منشورة أيضاً ضمن التقرير.
وهذا رجل من مسلمي بومباي في الهند تبرع بفتح اكتتاب بين أبناء بلده، للمساهمة في بناء الدار.
وهذا زوج اختلف مع زوجته، فهو يريد أن يتبرع للجمعية بجنيه واحد، وهي تريده أن يتبرع بثلاثة جنيهات، وجاءا ليحتكما إلى الأستاذ البنا، فحكم بينهما أن يتبرعا بجنيهين اثنين حسماً للنزاع.

وهذا رجل من العراق يرسل تبرعه عن طريق سعادة عبد الرحمن عزام باشا، وآخر يتعهد بكل ماله لتغطية ما تحتاجه الجماعة من مال، و.. و.. وبين أسماء المتبرعين أعضاء في مجلس النواب وشخصيات كثيرة، وشباب لامع لم أكن أحسب أنهم يدخلون ضمن نصف المليون الذي يؤمن بالأستاذ حسن البنا.
نصف مليون وأكثر انتظموا في أكثر من ألف وخمس مئة شعبة انبثت في كل قرية وكل كفر، بينها مئتان وخمسون شعبة في القاهرة وحدها، وهناك شعب في باريس ولندن وجنيف قبل قيام الحرب.
وحدثني فضيلته عن فكرة الإخوان، وكيف نبتت، وكيف تحققت، لقد وجد القائمين على أمر الإسلام قد عجزوا عن تطبيقه تطبيقاً صحيحاً، فالإسلام ليس ديناً فحسب، ولكنه نظام سياسي واقتصادي واجتماعي وقد وجد مصر من حوله ينقصها الخلق، وينقصها الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ولم يقصر تفكيره في الإصلاح على ناحية واحدة من هذه النواحي، كما فعلت الأحزاب، فقصرت جهودها على الناحية السياسية، أو كما فعلت الشيوعية فقصرت جهودها على الناحية الاقتصادية، إنما أراد أن يصلح كل نواحي النقص الذي تعانيه مصر، ويعانيه الشرق، فلم يجد نظاماً شاملاً جامعاً يستطيع أن يلجأ إليه سوى الإسلام وقانونه الأساس: القرآن.
وهو يسعى أولاً إلى إفهام المسلمين دينهم فهماً صحيحاً لا تشوبه الخزعبلات، وإلى إيجاد المحبة والأخوة بينهم، ثم تطبيق النظم الاجتماعية والاقتصادية التي جاءت في الدين عليهم.
وهو يعتقد أن مصر – كبقية بلدان الشرق – حساسة من ناحية الدين، وأنه ما من حركة صالحة أو خطوة خطتْها إلا كانت باسم الدين دائماً، فأنت تستطيع أن تجعلهم – أي المصريين– يحبون وطنهم باسم الدين، ويحبون بعضهم بعضاً باسم الدين، ويجاهدون وينتظمون باسم الدين، وكل دعوة قامت في مصر ولم تكن على أساس من الدين فشلت.
قلت: ولكننا اليوم لا نستطيع أن نطبق الدين والقرآن على جميع مرافقنا، فهناك مثلاً قوانين الملاحة والطيران، كيف نستطيع أن نحل محلها القرآن؟!
وأزاح فضيلته طربوشه إلى مؤخرة رأسه وقال: إن القرآن وضع ليكون قانوناً أبدياً، ينطبق على كل عصر منذ انتهاء الجاهلية إلى قيام القيامة، ولو بحثت في القرآن لوجدت بين سطوره الكريمة صورة للقانون الذي تبحث عنه الدول العظمى الآن، لتحديد طريقة استعمال القنبلة الذرية في الحروب.
نحن لا نقول: إن كل قانون سنحتاج إليه قد جاء بتفاصيله ومواده وحيثياته في القرآن، إنما يجب علينا أن نجتهد في وضع هذه القوانين في حدود المبادئ الأولية والمثل العليا التي جاءت في الدين.
وقد انتشر اعتقاد الناس بقصور القرآن عن شمول كل مرافق الحياة للجمود الذي أحاط به منذ أقفل باب الاجتهاد واستنباط القوانين من بين سطوره، وقد نُكب الإسلام حقاً منذ أغلق باب الاجتهاد في وجوه العلماء، والاجتهاد يتسع لكل فرض يخطر على بالك، وقد سئل أحد العلماء مرة: هل الخلوة الصحيحة في مسائل الزواج تثبت إذا كان مع الرجل والمرأة كلب؟
وأجاب العالم: إن الخلوة تثبت إذا كان الكلب ملكَ المرأة، وتفسد ولا تعتبر صحيحة إذا كان الكلب ملكَ الرجل، لأن الكلب إذا كان للمرأة ولم تكن الخلوة بإرادتها ينبح ويتهجم على الرجل مدافعاً عن سيدته، أما إذا سكت الكلب واستكان فدليل على أن الخلوة بإرادة المرأة، وإذن فهي خلوة صحيحة.
والفرض بعيد، ولكنه يدلك على أن الاجتهاد يعم كل مسألة تخطر لك.
قلت: ولكن هل تعتقد أن الأجانب المقيمين بيننا يرضون ومن ورائهم دولهم بتطبيق قوانين القرآن، كقطع يد السارق مثلاً؟
وهنا خبط الأستاذ بيده على مكتبه في ثورة، وقامت مناقشة حادة بينه وبين نائب وطبيب ومحام كانوا يشتركون معنا في الحديث، وقال: لو كان الإنجليز من المسلمين وطبقوا في بلادهم قوانين الإسلام لما قام واحد فيهم يسأل، هل يرضى الأجانب بقطع يد الساق أو لا يرضون؟ إنما هو ضعفنا وخنوعنا الذي ألجأ إلى هذا السؤال، وألجأنا إلى استعارة قوانين أوروبا لتطبيقها على أنفسنا بدل الشريعة الإسلامية التي اعترف أخيراً مؤتمر محكمة العدل الدولية بأنها شريعة قابلة للتطور.
وقد حدث في شبه جزيرة العرب أن حكم على جندي أمريكي بقطع يده لأنه سرق، فاحتج قائده، فأبلغه الملك ابن سعود أنه إما أن ينفذ الحكم وإلا فلن يكون مسؤولاً عن أموال أمريكا في بلاده، فرضخت أمريكا ونفذ الحكم.
ثم تسلم الملكُ من الرئيس روزفلت خطابَ شكر لحرصه على سلامة أموال الدولة، ثم إن هذه الحدود – أي العقوبات – تنفيذها متروك لأمر القاضي، وتقديره، طبقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: “ادرءوا الحدود بالشبهات” وهو يستطيع أن يتدرج فيها بين الشدة والتخفيف.
قلت: ألا تعتقد أن دعوتك دعوة رجعية قد تؤدي بنا إلى خلافات طائفية قد تستغلها إنجلترا للتدخل في شؤوننا كما يحدث الآن في الهند؟
قال: إن الإسلام أوصى خيراً بأهل الكتاب، ونحن نشجع كل حركة تقوم على أساس الدين الصحيح، وجميع الأديان متفقة في أسسها ومثلها العليا، وعلاقتنا حتى اليوم علاقة طيبة مع كثير من مواطنينا من أصحاب الأديان الأخرى.
قلت: هل تسعون لتولي الوزارة؟
قال: إننا نؤيد أي وزارة تنفذ برنامجاً قائماً على الدين الصحيح سواء أكنا نحن الذين نتولاها بأنفسنا أم كان غيرنا، وفي الدستور الحالي سند لنا فيما أقول، لأنه ينص على أن دين الدولة الإسلام، ومعنى هذا أن تكون جميع نظمنا وقوانيننا وتصرفاتنا مبنية على قواعد الإسلام.
مجلة روز اليوسف العدد (900) بتاريخ 11 سبتمبر1954 ، وانظـر نص المقـال في كتـاب ( حسن البنا من الميلاد إلى الاستشهاد ) للكاتبة الصحفية زينب أبو غنيمة (ص: 163-168).

زر الذهاب إلى الأعلى