قصة قصيرة..ليلة في قندهار/ خالد الفاظل

يمكنك أن تكتب رواية طازجة من 100 صفحة بطلها شاب خرج من “انبيت عشرة” صباحا متجها إلى “اكلينك”. عند خروجه من المنزل صباحا انقطعت نعله عند الباب فعاد وانتعل أحذية أخيه الذي لديه دوام متأخر ويمكنكم تخيل الأكشن الذي سيحدث لما يعود. في الدكان دخل حربا ضروسا من أجل إقناع صاحبه حتى يقرضه نقودا بعد استحواذ طلباته على خمس صفحات من دفتر الديون، لما ركب التكسي تصادف مع ثلاث عانسات من محيطه الاجتماعي قادمات من الوقفة متجهات إلى مدريد؛ عند نزولهن عند مدريد دفع أجرتهن ونزل هو صفر اليدين وحائرا والضباب يخيم على عينيه فمشي مترنحا كمحشش مبتدئ وارتطمت يده التي كانت تسبح في الفراغ بعيدة عن بقية جسمه بصحن كبير يغلي من الزيت نصبته بائعة خمسينية على قنينة غاز طاردتها الأقدار من ريف أندر بالسنغال لتتزوج بخياط تجمعت سنوات جلوسه الطويلة على المقعد في بطنه المرتخي وكان يملؤها بالشتائم طوال الليل في منزلهم الضيق المحاط بتربة متكلسة بسبب المياه الزرقاء التي تكبها الصباغات في الشارع. تدفق محتوى الصحن في التراب دون أن يؤذي لاجئين من الشمال المالي كانوا يتسولون العابرين يزاحمهم التسول رجل وسيدة لكنتهما شامية مع أكوام من العابرين يجوبون المكان ليتفرقوا في أنحاء المدينة طلبا للميرة في يوم كثير الغبار والضباب.

وقفت الخمسينية غاضبة كأنها عاصفة صيفية اكتسحت مساحة الرؤية في عيني الشاب الذي وقف معتذرا وهو يشعر بحرارة نقاط من الزيت تطايرت على جسمه؛ تجمع العابرون عليهم من كل حدب وصوب كأنهم نسور رأت فريسة للتو. اختلطت أصوات الناس وعناصر الأمن، بين مشفق على أرباح السيدة ومتعاطف مع الشاب الذي يواصل اعتذاره دونما توقف. تقزمت الأصوات أمام صوت رجل سبعيني فارع القامة يكور عمامة بيضاء على رأسه كأن صوته الجهوري قادم من أعماق الجبل. اقترح الرجل تقدير الأضرار وتعويضها. أشهر الشاب هاتفه الذكي كتعويض لأنه لا يملك مالا، في لحظة إنسانية ارتخى غضب السيدة ثم أعلنت أنها سامحته، صفق الحاضرون واقترح الرجل السبعيني التبرع للسيدة، فامتلأت حقيبتها بأموال مختلفة الأحجام تفوح منها روائح شتى؛ تهللت أسارير السيدة وقد تضاعفت أرباحها في ذلك اليوم بشكل مثير. توارى الشاب في مداءات الغياب ليكمل الطريق نحو اكلينك مشيا على الأقدام. توقف قليلا عند مصلحة الامتحانات مسندا ظهره على حائطها، مستذكرا أعواما حلوة كان يمر بجوارها صوب الثانوية الفنية ويوم دلفها لسحب إفادة نجاحه في الباكلوريا بتفوق. عند مروره بالثانوية العربية رشقته فتيات يافعات بكلمات مستفزة وكن يجلسن تحت جدار حائطها، رمقهن بنظرة خاطفة سرعان ما استقرت على خامسة الأربعة، فتاة وجهها صغير ومفعم بالحيوية والحكايات، تتبسم دونما سبب وتتحرك يديها في الفراغ كأنهما يدا ملحن يتبختر أمام فرقة موسيقية. اقترب منهن وتشاركا حديثا غوغائيا خاليا من الأدب سرعان ما جعله يتجمع كسهم ويرمي به الفتاة التي ألمهته التوقف لتوسيع دائرة التأخر عن عمله عدة ساعات. في غمرة الزحام أمام الثانوية سحبها بهدوء وأخذا يتمشيان لينتهيا إلى ظلال المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية، أخذ كلامها يتشعب ليكتشف أنها تسكن في قندهار ومطلقة سابقة تزوجت من ابنها عمها المهاجر عند بلوغها 14 سنة منجبة منه بنتا اسمتها ياسمين؛ رغم أن اسمها في الأوراق المدنية لويلة والدة زوجها الذي رأته أول مرة في يوم عرسهما وهو ابن عم والدها المتوفى في حادث سير بطريق نواذيب حيث كان يتاجر في تلك المدينة الباردة بالسمك. عادت سمية للدراسة وتحضر للباكلوريا، نصحها سعدنا أن تتعلم الخياطة فذلك أفضل؛ قائلا لها إنه مهندس في الاتصالات تخرج من الجزائر وما زال عاطلا عن عمل يذكره بمجاله، ذهلت سمية من كلامه وظنت أنه كاذب فأرادت اختباره في تمرين منزلي من الرياضيات، حله في أقل من عدة دقائق. عرضت عليه المجيئ لمنزلها ومساعدتها في التحضير لنيل الباكلوريا، أومأ سعدنا برأسه موافقا حتى نزلت خصلة من شعره الناعم على حاجبيه المعكوفين كالهلال رافعا وجهه القمحي اللون والحاد القسمات وأرنبة الأنف كاشفا عن ابتسامة ضيقة محاطة بفم رقيق الشفتين مع وجنتان بارزتان وذقن حليق. نبههم الظل إلى اقتراب الظهيرة؛ تبادلا الأرقام ثم افترقا بمشقة بنادي الضباط المزدحم. اكمل سعدنا طريقه إلى اكلينك ونبضاته قلبه في تسارع كأنه وقع في الحب حقا . دلف أعماق اكلينك ووصل للمخزن ووجد رب العمل في حالة غليان يشحذ كلماته جالسا على مقعده وحمالة يخرجون ويدخلون من الباب المختنق بالبضائع، وسرعان ما تدفق غضبه ليختلط بعرقه الذي منعه من الكلام وهو يجففه بأكمام دراعته الزرقاء. كان سعدنا يعمل محاسبا في مستودع للمواد الغذائية يجلس طيلة النهار أم حاسوب في زاوية ضيقة، تسبب له وميضه في ارتداء نظارات طبية. عمل سعدنا منذ سنة براتب 100 الف أوقية لا تنقضي الأيام الأولى من الشهر حتى تذهب في توفير نفقات عائلة بسبعة أفراد وأب حديث عهد بعملية قسطرة القلب، هو الثاني في ترتيب الأخوة مع أخ كبير يعمل في مخبزة، تسرب من التعليم وقضى أعواما في الجيش قبل أن يهرب منه بعد شجارات متتابعة مع القادة تنتهي غالبا بالصفع، وخمس أخوات متتابعات، اثنتان مطلقتان عاطلتان متخرجتان من قسم التاريخ في كلية الآداب وواحدة تدرس في كلية العلوم، أما الصغيرات منهن فتدرسن في الثانوية، إضافة لزوجة أخيه وأطفالها والتي تزوجها أثناء خدمته العسكرية بالشمال، وجميعهم يسكنون في منزل اسمنتي مغلق شيده الأب أوائل التسعينيات بعد هجرته من الشرق وبيعه لقطيع من الإبل كانه يملكه، مارس من خلال ثمنه تجارة المفروشات ولمع نجمه فيها لولا حريق ضخم التهم محله، ليعيش بعد ذلك على بيع القطع الأرضية التي اشتراها أيام بحبوحته قبل أن ترتفع أسعار القطع الأرضية جراء اكتظاظ العاصمة بسكان قدموا من الدواخل طلبا لحياة أفضل.

فصل سعدنا عن عمله بعد أن استلم مبلغ 50 الف أوقية بعد انقضاء 15 يوم من الشهر. ذهب لأحد مطاعم أكلينك واشترى نصف ديك ورصيدا وعبأ هاتفه، استحم في حمام المطعم وعند دنو الغروب هاتف سمية وذهب إلى قندهار. قادته سمية التي استقبلته لكي لا يتيه عنهم داخل عريش مغطى بصفائح الزنك يستلقي أمام مكعبين من الاسمنت ومطبخ وحمام دونما حائط سوي سياج يصنع محيطا متقطع الأوصال. حمل ياسمين وقبلها وأعطاها 500 أوقية قديمة، بينما سمية تروح وتجيئ لتجهيز آنية الشاي أخذ سعدنا يتصفح شاشة هاتفه الذكي. وجد رواد مواقع التواصل الاجتماعي مشغولون بخوض نقاش عن الرواية الموريتانية. استجمع قواه الأدبية؛ تذكر آخر رواية قرأها وكان عنوانها “الأصل” للكاتب الأمريكي دان براون، كانت رواية جد متشعبة بالدراما والأسئلة الفلسفية العميقة والأكشن وبعض الرومانسية والفنون والتنبؤ بمستقبل الذكاء الاصطناعي الذي حاول من خلاله الكاتب الإجابة على سؤال غيبي بأدوات علمية مشوقة وقاصرة: “من أين أتينا وإلى أين نحن ذاهبون؟”.

نظر سعدنا إلى سمية وقد تربعت على آنية الشاي؛ ولاحظ بأن شفتيها غلفهما مكياج خفيف وأن عينيها تشبه عيون المها التي وصفها الشاعر البدوي علي بن الجهم عندما نزل بغداد قادما من البادية. لمع شيئ في وجهها، كان ضوء لامعا اخترق نوافذ قلبه. سأل سمية: “ماهي آخر رواية تقرأينها؟”

أجابتها مستغربة هذه البداية الثقيلة جدا وهي تفتح علبة شاي من “أزواد الحمرة”بأسنانها المفلجتان: ” ماذا تقصد بالرواية يا سعدنا، لدي صديقة تتحدث دائما عن رواية اسمها الأسود يليق بك وتحب الأدب كثيرا، وهذا ما أعرفه.”.

انقطعت الكهرباء فجأة؛ ساد الظلام العريش وبقي وجه سمية يومض أمام نور قنينة الغاز. مد سعدنا يده كثعبان أسود نحو سمية وامسك بطرف ملحفتها وجذبها بلطف كأنه يسحب حبلا من بئر عميقة؛ شعرت سمية بحركته فغمغت بصوت خافت ثم ضربته بيدها التي امسكها بحرفية كأنه لاعب كريكت وضغطها حتى دب الدفئ في عروقها وبدا له أن سمية بدأت تلبي نداء الشيطان. هنا قال سعدنا في نفسه:

– إنه الوقت المناسب لكتابة رواية عربية.

عادت الكهرباء فجأة وماتت الرواية قبل أن يكتب سعدنا الإهداء إلى عائلته في “انبيت عشرة” في صفحتها الأولى وهم يأملون منها الكثير وسيأتيهم في هذه الليلة عاطلا عن العمل.

مدة كتابة القصة 5 ساعات، بتاريخ 11 فبراير 2020.

حقوق النسخ واللصق لن تكون أكثر حفظا من ثرواتنا المنهوبة على مدى عقود.

هنا نواكشوط(توجنين). الساعة 14:28. وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

زر الذهاب إلى الأعلى