من “ميراث الصمت والملكوت” /محمد عبد الله عيسي

وقفت هذا الأسبوع باقتراح من أحد الزملاء الأفاضل على كتاب “ميراث الصمت والملكوت” للباحث : عبدالله عبد العزيز الهدلق وهو مجموع مقلات له.
والهدلق قارئ أوقف حياته على القراءة والمطالعة والعيش مع الكتاب، وقراءته لا تقتصر على فن ولا مجال دون آخر بل ولم يقتصر على الثقافة العربية والإسلامية فهو في كتابه هذا يمطرك بالنقول والإستشهاد عن الثاقفة الغربية والعالمية.
يقول في الكتاب :{إن مما استهواه في هذه الدنيا فن التراجم الذاتية.
ومازلت أظن أنه لا يوجد فن آخر يعدله من فنون هذا التراث الإنساني كله.
نفضت المكتبات العامة والتجارية نفضا لم أترك فيها ترجمة ذاتية ذات شأن إلا طالعتها وكنت أعيد قراءة بعض التراجم أكثرمن مرة.
وبعد أن طالعت من كتب التراجم الذاتية ما يملؤ قبة الصخرة!! …. وجدتني أمام حقيقتين تطلان علي فلا تخطئهما العين في كل ترجمة ذاتية أقرؤها:
رأيت الذين قرأت تراجمهم الذاتية يجمعون كلهم _ على اختلاف ألسنتهم، وألوانهم، وأزمانهم، وأعمارهم، وأديانهم، وتفاضل تجاربهم، وتباين مشارب أنفسهم، وتنوع مطارح مقاديرهم _ ، على أن الحياة نصب ومشقة وأنهم ما نالوا منها ما نالوه إلا بالصبر والتجلد والمغالبة.
ثم رأيتهم يجمعون وفيهم العالم والأديب والمخرج والفيلسوفي والسياسي والقائد والممثل والأستاذ والرسام والمهندس والتاجر والمريض والسجين والفقير… ومن شئت وما شئت رأيتهم يجمعون كلهم على فساد طبيعة الإنسان وسوء خالقه وبشاعة مخبره وخبث طويته ورداءة صنفه، وأنه لم ينلهم من أوصاب هذه الفانية وأدواء هذا العمر، وأتراح هذى الروح، أشد ولا أشق ولا أكثر إيلاما من صراع الإنسان وحسده وقبحه … }.
والكتاب لطيف خفيف لا تسأم وأنت تقرؤه فهو يقطف الزهور من حقول منوعة ويتنقل بك من مجال إلى آخر.
يقول عن تراث ابن تيمية: (من أعظم المقاييس عندي للعمل الخالد: أنه العمل الذي لا تستطيع أن تتجاوزه مهما تركته وعدت إليه.
ثمت تراث يكون له أثر في نفس قارئه في مرحلة من مراحل عمره لكنه حين يعود إليه بعد أن يقطع شوطا من العلم يشعر بأنه قد تجاوزه (هذا المنفلوطي يحبه المتأدب ويكرهه الأديب كما قيل)، لكن هناك أعمال لا تستطيع أن تتجاوزها مهما اكتسبت من المعرفة وعدت إليها، وعندنا في التراث أمثلة لهذا: المغني لابن قدامة، مقدمة بن خلدون، فتح الباري… أظن أن تراث بن تيمية كله وليس عنوانا أوعنوانين _ يصدق عليه هذا المعنى كما لا يصدق على تراث عالم من علماء الإسلام، لا تستطيع أن تتجاوز تراث هذا العالم مهما اكتسبت من المعرفة وعدت إليه) .
والكتاب خفيف الحمل (182صفحة).
في آخره حوار مع مؤلفه عن القراءة وطرق التثقيف الذاتي يصلح مَعْلَما وصُوَّرة في هذا المجال.