نظام المرور :التكييف والتأصيل/ سيد أحمد سيد الخليل

الإسلام دين حضارة وتطور، دين استيعاب وتجديد، ولهذا مجّد العقل، ودعا إلى إعمال الفكر: ” أفلا يتفكرون، أفلا يعقلون، أفلا يتدبرون، أفلا ينظرون”
إلى غير ذلك من اﻵيات التي تحث على إعمال العقل، والفكر، والنظر.
أخلص من هذه المقدمة ﻷقول إن من أروع ما أنتجه العقل البشري ما أصبح يسمى بنظام المرور الذي ينظم السير في المدينة أوخارجها، بإشاراته الضوئية وخطوطه اﻷرضية، وقواعد المرور بشكل عام، فما هو التكييف الشرعي لهذا النظام المعاصر؟ وكيف يمكن تأصيله شرعا؟ وماذا عن العقوبات المالية التي تفرض على مخالفيه؟
أولا التكييف الشرعي:
يمكن تكييف نظام المرور شرعا بأنه من المصالح التي اقتضتها ظروف الحضارة وطبيعة العمران، فالمحافظة على أرواح الناس وأموالهم، وأوقاتهم اقتضت سن تشريعات وابتكار تقنيات تؤدي إلى المحافظة على هذه الضرورات، والقاعدة اﻷصولية تقول:”ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”
فالتكييف الشرعي إذن لنظام المرور هو أنه ” مصلحة ضرورية اقتضتها ظروف الحضارة وطبيعة العمران”.
ثانيا التأصيل الشرعي:
إذا كان التكييف الشرعي يعطينا “المقدمة التصورية” على حد تعبير المناطقة، أو يعطينا “تحقيق المناط ” على حد تعبير اﻷصوليين، فإنه يبقى أن نعرف المقدمة الثانية، أو الحكم على ذلك المناط، وهو ما اتفقنا على تسميته بالتأصيل الشرعي.
ببادئ الرأي قد يقول قائل كيف يمكن التأصيل الشرعي لهذا النظام المعاصر، الذي لم يُذكر لا في كليات الشريعة ولا في جزئياتها!!
ولكن عند التأمل والبحث في موارد الشريعة ودلالات النصوص ومقاصدها نجد أن الخطب سهل، والمدرك قريب.
وليس كلما لم يكن له ذكر في النصوص يعد خارجا عن الشريعة، وفي هذا الصدد أتذكر مناظرة جرت بين أحد علماء الشافعية، وابن عقيل الحنبلي فقال الشافعي:
(لا سياسة إلا ما وافق الشرع، فقال ابن عقيل: السياسة ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول – صلى
الله عليه وسلم- ولا نزل به وحي، فإن أردت بقولك: ” إلا ما وافق الشرع” أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح، وإن أردت لا سياسة إلا ما نطق به الشرع: فغلط، وتغليط للصحابة…).
وهذا تنظير جميل في اقتناص المصالح واستيعابها، وتوسيع لمفهوم الشريعة عز نظيره، فلو اقتصرنا على هذه المناظرة للتأصيل لنظام المرور لكانت في ذلك كفاية، غير أننا نزيد اﻷمر تجلية ووضوحا، فنقول إن نظام المرور مبناه على المصلحة، والمصلحة واجبة الرعاية كما يقول اﻹمام الشاطبي، كذلك مما يتضمنه نظام المرور العدل في تقسيم الوقت بين السيارات بعضها البعض وبينها وبين المشاة، والعدل مقصد شرعي حث عليه القرآن وجاءت به السنة، قال تعالى: ” إن الله يأمر بالعدل واﻹحسان..” وقال تعالى ” وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل..”
وقال صلى الله عليه وسلم – كما في البخاري – ” كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين الناس صدقة”.
فالعدل من المبادئ العامة التي وكل التفصيل فيها إلى نظر المكلفين وعقولهم، وكأن سياق هذا المبدأ في شكل عام وقاعد كلية من دون التطرق لحصر جزئياته مقصود للشارع، حتى لا يضيق على الناس أو يحصرهم في نوع معين، بل جاء اﻷمر به عاما، فمتى تحقق العدل بأي طريقة على مر الزمان والدهور، فقد تحقق المطلوب، سواء تحقق العدل بالمساناة أي سنة لي وسنة لك أو بالمشاهرة، أوبالمياومة، أو بالدقائق والثواني كما في اﻹشارات الضوئية، فالله سبحانه وتعالى أرشدنا إلى مبدإ العدل تفضلا وإحسانا، وفوّض لنا كيفية تطبيقه تيسيرا وإكراما، وقد أشار إلى هذا التحليل اﻹمام الشاطبي قائلا:
” كل دليل شرعي ثبت في الكتاب مطلقا غير مقيد ولم يجعل له قانون ولا ضابط مخصوص؛ فهو راجع إلى معنى معقول وُكِل إلى نظر المكلف، وهذ القسم أكثر ما تجده في اﻷمور العادية التي هي معقولة المعنى؛ كالعدل واﻹحسان …”
إذن فكل وسيلة تحقق العدل فهي مشروعة في أي زمان وفي أي مكان، وبأي طريقة حصلت، ولاشك أن تنظيم السير يدخل في هذا الباب، فهو من العدل، ومن المصلحة، وحيثما توجد المصلحة فثم شرع الله.
ثالثا المخالفات المرورية.
مما هو جدير بالبحث والتأصيل أيضا، ما يعرف ب”المخالفات المرورية”.
من المعروف أنه من ميزات القانون بشكل عام فكرة اﻹلزام، وهذه الميزة حتى تتحقق لا بد فيها من معنى الزجر، ومن هنا جاءت فكرة الغرامات المالية وغيرها على مخالفي القانون، فهل هناك أصل لهذه الغرامات المالية، أم هي ظلم لا مسوغ له كما يتصور بعض الناس؟
إذا علمنا أن هذه القوانين إنما وضعت لمصلحة الناس وحفاظا على حياتهم -كما أشرنا إليه آنفا – فإن أخذ غرامات على مخالفتها، لا يعد ظلما، بل هو أمر جائز مستمد من فكرة العقوبة المالية التي جوزها بعض العلماء للمصلحة، كاﻹمام ابن القيم الذي استمات في الدفاع عنها، واﻹمام ابن فرحون وغيرهما، والذي تقتضيه السياسة الشرعية جوازها، وإلا تعرضت أرواح الناس وأموالهم للخطر من قبل المتهورين الذين لو لم تكن مثل هذه الغرامات لما راعوا في عابري الطريق إلاًّ ولا ذمة!
قال اﻹمام ابن القيم: ” ومن قال إن العقوبة المالية منسوخة فقد غلط مذاهب اﻷئمة نقلا واستدلالا، وليس يسهل دعوى نسخها، وفعل الخلفاء الراشدين وأكابر الصحابة لها بعد موته- صلى الله عليه وسلم – مبطل لدعوى نسخها…”
ونقل كلامه اﻹمام ابن فرحون المالكي على وجه الارتضاء.
والخلاصة أنه حيثما توجد المصلحة فثم شرع الله، ونظام المرور سنده المصلحة؛ وقواعد الشريعة العامة تعضده، ومقاصدها تشد أزره، وكل ما لا يناقض الشريعة فهو منها، وإن لم ينص عليه بعينه.