الفيسبوك: حق الطريق، وفقه الخلطة، وأدب المجلس/ الشيخ محمدن ولد يحظيه

مذ زمن وأنا أبحث للوسائط الإعلامية عن نظير أومقارب ترجع إليه عند القياس ويكون كالمدرك لآدابها وأحكامها،
لاسيما ( الفيسبوك)، بوصفه الأوسع انتشارا والأكثر جمهورا والأشد صخبا وضجيجا، رغم مافيه من صفحات تتلألأ أنوارها ومصابيحها للمتصفح كما يتراءا أهل الأرض نجوم السماء.

وقد أدت بي جملة من النظائر والأشباه إلى تكييف(الفيسبوك) في ثلاثة عناوين له بها وجه شبه بين، ووشيجة قربي ظاهرة وهي:

أولا: (الطريق): فممرات العالم الافتراضي وثيقة الصلة بالمسالك والطرق الحسية، فيتناولها قوله صلى الله عليه وسلم: (( إياكم والجلوسَ بالطرقاتِ، قالوا: يا رسولَ اللهِ، ما بُدٌّ لنا من مجالسِنا نتحدثُ فيها، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إن أبيتم فأعطوا الطريقَ حقَّه . قالوا: وما حقُّ الطريقِ يا رسولَ اللهِ؟ قال: غضُّ البصرِ، وكفُّ الأذى، وردُّ السلامِ، والأمرُ بالمعروفِ، والنهي عن المنكرِ))، أبو داود وهو في البخاري بلفظ قريب منه.

ومن أدب الطريق قوله تعالى: (( وإذا مروا باللغو مروا كراما))…..

وفي الحديث الآنف ما يدل على تداخل حق الطريق وأدب المجلس لاشتراكهما في الخلطة وكون كل واحد منهما مجالا للفسحة واللغو، ومن ثم فكل ما ورد من الإعراض عن اللغو ومن الحلم والصفح يصدق بحق الطريق كما يصدق بأدب المجلس وينطبق على الفيسبوك و على جميع الوسائط الإعلامية، كما ينطبق على السائر بخطوات قدمه على الطريق والمزاحم على المقعد بمنكبه والمصافح بيده في النادي والمجلس سواء بسواء.

ثانيا: (الخلطة)، فلأحكامها وضوابطها وأهدافها شبه بين بالدخول إلى الوسائط الاجتماعية .. وقد عقد الإمام النووي فصلا نافعا في رياض الصالحين ضمنه أهداف الخلطة ومنافعها وضوابطها بإيجاز فقال:
“باب فضل الاختلاط بالناس وحضور جمعهم وجماعاتهم، ومشاهد الخير، ومجالس الذكر معهم، وعيادة مريضهم وحضور جنائزهم، ومواساة محتاجهم، وإرشاد جاهلهم، وغير ذلك من مصالحهم، لمن قدر على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وقمع نفسه عن الإيذاء، وصبر على الأذى، اعلم أن الاختلاط بالناس على الوجه الذي ذكرته هو المختار الذي كان عليه رَسُول اللَّهِ ﷺ وسائر الأنبياء صلوات اللَّه وسلامه عليهم، وكذلك الخلفاء الراشدون ومن بعدهم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء المسلمين وأخيارهم، وهو مذهب أكثر التابعين ومن بعدهم، وبه قال الشافعي وأحمد وأكثر الفقهاء رَضِيَ اللَّهُ عَنهُم أجمعين، قال اللَّه تعالى (( وتعاونوا على البر والتقوى))، والآيات في معنى ما ذكرته كثيرة معلومة” بلفظه.

ثالثا: (المجلس)، و هو أوضح الأقيسة وأجلاها في صداقات الفيسبوك وصفحاته، وهاهنا لأهل التربية والسلوك مزيد تحرز واحتياط حيث يرى علماء النفس و أرباب المجاهدة أن ما لم يؤثر في القلب من المناظر والمسموعات والمقروءات بشبهة، أو شهوة فلا أقل من تأثيره بتشويش أو لغو او فراغ.

ولهم في ذلك مدرك بحديث الجليس فإن التقاسيم التي فيه مؤذنة بأثرٍما، قل أو كثر من مقاربة الصلاح أو السوء سلمنا الله وإياكم: (( فعن أَبي موسى الأَشعَرِيِّ: أَن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّما مثَلُ الجلِيس الصَّالِحِ وَجَلِيسِ السُّوءِ: كَحَامِلِ المِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحامِلُ المِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ ريحًا طيِّبةً، ونَافِخُ الكِيرِ إِمَّا أَن يَحْرِقَ ثِيابَكَ، وإمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا مُنْتِنَة))، متفقٌ عَلَيهِ.

ومن أدب المجلس قوله تعالى: (( والذين لا يشهدون الزور ))، ومنه ما تقرر في الشرع وفي أخلاق النبوة من الحياء وتوقير الكبير ورحمة الصغير و عفة اللسان، و من الحلم والوقار والسكينة، واجتناب الغيبة والنميمة والهمز واللمز، ويندرج فيه تقديم ذوي السن والخير والصلاح، والرجوع إلى أهل العلم و أهل الذكر إذا حضروا المجلس وعدم التقدم بين أيديهم في كل ما علم أنهم المرجع فيه قرآنا وسنة وفقها وإرشادا.

وخلاصة ما تقدم المحافظة على شرف النفس ومكارم الأخلاق والحذر من حِيَلِ الشيطان وتلبيس إبليس بجعل الافتراض غير الواقع، والمكتوب غير المنطوق، والمعاصرة غير الأصالة، و الحائط الافتراضي غير البساط الواقعي، فهو هو في فقهه وخطره وفي شهوده على الإنسان وكونه مما قدم وأخر:(( إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِين)).

زر الذهاب إلى الأعلى