فرح الزمخشري بـهلاك “اللصوص المتغلبة”/د. إبراهيم الدويري

من باب التأريخ للأفكار ووضع المواقف المبدئية والعلمية في السياق التاريخي لأصحابها ينبغي أن نتنبه إلى أن بهجة الإمام جار الله أبي القاسم محمود بن عمر بن محمد بن عمر الخوارزمي الزمخشري (467- 538ه) بهلاك الظالمين ليست قولا آنيا أملته لحظة ترجيحية لمعنى تفسيري نقل عن الأقدمين، ودل عليه السياق، وإنما كان للمعتزلي الزاهد موقف صارم من الظلم وأهله، بلغ درجة الحساسية المفرطة، تجلى ذلك في تفسيره ومواعظه وأدبه.

اللصوص المتغلبة وعلماء السوء

في تفسير قوله تعالى:{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59)}، يقول الزمخشري مبينا الحقيقة الشرعية لأولي الأمر الذين تجب طاعتهم: “لما أمر الولاة بأداء الأمانات إلى أهلها وأن يحكموا بالعدل، أمر الناس بأن يطيعوهم وينزلوا على قضاياهم. والمراد بأولى الأمر منكم: أمراء الحق لأن- أمراء الجور- اللَّه ورسوله بريئان منهم، فلا يعطفون على اللَّه ورسوله في وجوب الطاعة لهم، وإنما يجمع بين اللَّه ورسوله والأمراء الموافقين لهما في إيثار العدل واختيار الحق والأمر بهما والنهى عن أضدادهما كالخلفاء الراشدين ومن تبعهم بإحسان. وكان الخلفاء يقولون: أطيعوني ما عدلت فيكم، فإن خالفت فلا طاعة لي عليكم”. (الكشاف 1/524).

لم يكتف الزمخشري بهذا البيان الشافي بل كر راجعا بعد سطور ليشفي قلوب المظلومين ومناهضي الطغيان والتجبر في كل عصر فيقول: ” وكيف تلزم طاعة أمراء الجور وقد جنح اللَّه الأمر بطاعة أولى الأمر بما لا يبقى معه شك، وهو أن أمرهم أولا بأداء الأمانات وبالعدل في الحكم وأمرهم آخراً بالرجوع إلى الكتاب والسنة فيما أشكل، وأمراء الجور لا يؤدّون أمانة ولا يحكمون بعدل، ولا يردون شيئا إلى كتاب ولا إلى سنة، إنما يتبعون شهواتهم حيث ذهبت بهم، فهم منسلخون عن صفات الذين هم أولو الأمر عند اللَّه ورسوله، وأحق أسمائهم: اللصوص المتغلبة” (الكشاف 1/524).

وعلى القول بأن أولي الأمر في الآية هم العلماء فيؤكد الزمخشري على صفات لا بد أن يتصفوا بها، ويقول إنهم “هم العلماء الدينون الذين يعلمون الناس الدين ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر”، (الكشاف 1/524).

أما أولئك الذي لا يرفعون بالحق رأسا، ولا يتمعر لهم عند المنكرات والمظالم وجه، أو يذهبون أبعد من ذلك فيكونون للظلمة أعوانا فإنه يقرعهم بقوله: “ما لعلماء السوء جمعوا عزائم الشرع ودوّنوها، ثم رخصوا فيها لأمراء السوء وهوّنوها، إنما حفظوا وعلّقوا، وصفّفوا وحلّقوا، ليقمروا المال وييسروا، ويفقروا الأيتام ويوسروا، أكمام واسعة، فيها أصلال لاسعة، وأقلام، كأنها أزلام، وفتوى، يعمل بها الجاهل فيتوى”. (معجم الأدباء 6/ 2690).

الوالي الغاشم شؤم البلاد…

كان الزمخشري يرى أن الظلم والظلمة أشد فتكا بالإنسان من كل أنواع الكوارث التي قد تهلك البشر، ويحذر معايشي الظلم من الغرور بالهدوء الوهمي، استمع إلى قوله في أطواق الذهب: “ألا أحدثك عن بلد الشوم، ذلك بلد الوالي الغشوم. الغشم أدوس من حوافر الخيول، وأحطم من جواحف السيول. وأعفى من الرياح البوارح، وأضر من السنن الجوائح. يحجب أن تصعد كلمات الدعاء، وأن تهبط بركات السماء. فإياك وبلد الجور وإن كنت أعزّ من بيضة البلد، وأحظى أهله بالمال المثمر والولد. وتوقع أن تسقط فيه الطيور النواعق، وتأخذ أهله الرجفة والصواعق” (أطواق الذهب)

توبة من مدح أهل الجور…

في تتبع مسيرة حياة جار الله نرى أنه قد امتدح بعض الحكام في بواكير حياته لكنه تاب من ذلك في مرحلة نضجه الروحي، فكتب مقامة عنوانها “اجتناب الظلمة”، يقول فيها مخاطبا نفسه: “… ولا تُراجعْ الرَّكونَ إلى أهلِ الحَيفْ، وإن عرضوكَ على غِرارِ السَيف، وأجلَّ لسانَكَ أن تنطقَ بثناءٍ لهمْ وامتِداح وسافرْ بمطعمِك عنِ امتيارٍ لهم وامتيِاح وقُل عَقَرى لمَن يرفعُ عقيرتَهُ بالنّشيدِ بينَ أيديهم وترِبَتْ يدا مَن بَسَطهُما إلى أعطياتِهم وأياديهِم. من وقفَ وقفةً لأحدهِم على رَبع فليغسل قدميهِ سبعينَ فضْلاً عن سبع. ويحكَ لا يُرَيَنَّ جسمُكَ في أبوابهِ ولا يُجرَينَّ اسمُكَ في ديوانهِ. ولا يخطُوَنَّ قدمُكَ في إيوانهِ وطيِّب نفسَكَ عمّا ليسَ بطيبٍ من أرزاقهِ. ولا تلوِّثها بالطمعِ في إرْفادهِ وإرزاقهِ”.

“وإيّاكَ وهذهِ المراسمَ المسمّاة. فإنها والمواسمَ المُمحاه. ولا تفرِّق بينَ تسويلاتِ الشياطين. وبينَ تسويفاتِ السّلاطين ولا بينَ إضرارِ الأهوَال وإدرارِ تلكَ الأموال ولا تقفْ إلا بينَ يديْ ربِّكَ ولا يكنْ ظلكَ عن فنائهِ قالصا واجعل ثناءَكَ لوجههِ خالِصاً. واسألهُ الطيبَ في جميعِ ما تَكتسِبْ. واتّقهِ يرزُقكَ مِن حيثُ لا تحتسِب” (مقامات الزمخشري)
حتى في كتابه الأدبي ربيع الأبرار لم ينس الزمخشري خطر الظلم وهجاء الظلمة فجعل الباب الثامن والأربعين منه عن “الظلم وذكر الظلمة وما عليهم، والأذى وقسوة القلب، وما اتصل بذلك”.

كانت في مواقف الزمخشري من الظالمين حرارة المؤدلجين وغيرة المصلحين فقد “كان داعية إلى الاعتزال، الله يسامحه” كما في سير أعلام النبلاء 20/ 156.

زر الذهاب إلى الأعلى