الشيخ الفقيد محمد عبد الله ولد عبد الله /بقلم محمد سالم بن جد

محمد عبدَ الله بن عبدِ الله (بكسر الدال الثاني وترقيق لام اسم الجلالة بالتالي) رجل من أهل القرون المزكاة عاش بين ظهرانينا يذكرني بأخلاق الصحابة وعلم الأئمة؛ ولذا قلت فيه قبل مدة:
ما زرته إلا انتشيت بطبعه ** لا الكيف ينشيني ولا الصهباء.
في أواخر عهدي بالمعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية كنت أرى أستاذا غير طويل القامة يخطو بسكينة، وينظر بسكينة، ويتكلم بسكينة، ويضع كمه على فمه إذا ضحك، وربما راقب في أحد الامتحانات فإذا استشكل طالب سؤالا أو بعضه وطلب منه إيضاحه قال: اكتبوا ما ترون، واعذروني في سوء أدبي. ولم يكن الأستاذ الجديد غيره.
وقد شرفني الله بتلقي القراءات السبع عليه في العقد الأخير من القرن الميلادي الماضي فتكررت زياراتي إياه في منزله بعرفات، ورأيت من أحواله ما شدني إليه وزادني إعجابا به. وحرر لي إجازة بخطه الكريم (مكتوبة بالمداد) مؤرخة بالثالث من أغسطس 1993 (وليست انقلابا عسكريا) حملتها مسرورا إلى إدارة التوجيه الإسلامي للتصديق، وكان المدير يومئذ الأستاذ لمرابط ابن محمد الأمين (وهو ابن مشايخ شيخي) فتضمن تصديقه قيمة مضافة حين أكد نسبة الخط للمجيز ومكانته العلمية الرفيعة.
في تلك الأثناء اضطررت مرة إلى التغيب عن حصص لي فطلبت من أستاذي أن ينوبني فوافق شاكرا، ومع أني حددت له مدة غيابي فحين جئت في موعدي وجدته سبقني احتياطا فاستأذنته في الدخول ومررت بهدوء إلى مؤخرة القسم وجلست حتى نهاية الدرس بين الطلاب الذين صار منهم رجال مهمون بحمد الله، واستمرت نظراتهم واستغرابهم، وقد أوضحت لهم من بعدُ أني مجرد طالب له، ومكاني في حضوره هو ما رأوا.
كنت ألقاه وفي يده حقيبة أو نحوها، وأنا أود لو حملته وما لديه، فأسلم عليه وأمد يدي لآخذ عنه ما يحمله فيقول بهدوء: “رب الشيء أحق بحمل شيئه”. وفي أواخر سنة 1998 اعتدى علي أشخاص من عصابات “دخل شي” في مكان مظلم فتركوني فاقدا للوعي، وقبضت الشرطة على أحدهم اعتمادا على وصفي له، ثم دل على شريكيه فألحقا به، وامتنعتُ من العفو عنهم لما فيه من إثم وإضرار بالمجتمع، ولما لم يفلح أهل أحدهم في ترغيبي ولا ترهيبي لجؤوا إلى الشيخ (ولعلهم علموا بعلاقتي به) فشرفني بالزيارة، ويعلم الله أني أتمنى أن أقضي حاجته مهما بلغت، ولما ألقى الأمر عليّ لم أجد عونا عليه خيرا من ورعه فقلت له: الأمر إليكم فإن رأيتم جواز العفو عنه فافعلوا، فأطرق هنيهة ثم قال: هذه حرابة، ولا عفو في حد من حدود الله، ولو أن الحدود معطلة، وما كان يجوز لي أن أشفع فيه، فأستغفر الله من ذلك.
رحم الله شيخي محمد عبدَ الله بن عبدِ الله، وعوضه خيرا مما فاته في دنياه، وبارك في آله وطلابه وأهل وده. وإنا لله وإنا إليه راجعون.

زر الذهاب إلى الأعلى