في الجزءالثاني من مقابلته محمد الحافظ ولد أحمدو: العرب قتلوا الشعر واكتفوا بالهذيان المسمى الشعر الحر

الشاعر الكبير محمد الحافظ ولد أحمدو في الجزء الثاني من مقابلته مع موقع الإصلاح يحدث على رأيه في الشعر الحر ونزار قياني وطه حسين ويستعرض آراءه النقدية وجانبا من مساجلاته مع الشعراء العرب خلال مشاركته في المهرجانات الشعرية العربية.

السؤال هناك من يقول إنه لا توجد لدي العرب نظرية نقدية بالمعني المنهجي ما رأيكم؟

الجواب

بل الغريب أنني أري أن  ذلك النقد اللغوي هو الذي يصلح لنقد الشعر العربي فالنقد بدأ لغويا والشعر تكنلوجيا لغوية قبل كل شيئ.

إذن النقد اللغوي المعروف عند العرب قديما هو الذي يصلح الآن لنقد الشعر العربي برأيك ؟

الجواب

أنا لا أقول ذلك وأنا أعلم أن الشاعر وكذلك الناقد لا بد سعة المعارف ولا بد له من فيوض من مختلف الثقافات وانا لحبي للغة العربية لم تدع فى قلبي مكانا لغيرها من اللغات وقد ندمت على ذلك ولكن عوضت الأمر بقراءة الترجمات فقد قرأت كلما ترجم لشيكسبير وما ترجم للكثير من الشعراء الفرنسيين مثلا بودلير وفولتير وحتي قرأت ما ترجم لبعض الأدباءالأمريكيين والروس وحتي الصينيين، وأري أن الشاعر لا بد أن يكون مستبحر اللغة مستبحر الثقافة ولكن لا بد أن يكون متجذرا فى أرضه ووطنه وأمته والغريب أن الناس يبحثون الآن عن العالمية ولا يمكن اقتناص العالمية إلا بالمحلية فلم يشهد العالم شاعرا أو أديبا عالميا الا وهو منغمس فى ثقافة بلده وفى حضارة بلده وهذا .

إذن أنت تري التراث النقد العربي فيه ما يكفى لنقد الشعر العربي ؟

الجواب

لا أقول أنه يكفى لأن الحضارة ليست ملك عن شخص عن آخر والله تعالى يرشدنا إلى أن نقتبس العلوم من الطير “ياويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب ..”

يقال إن الخيال العربي خيال بدوي ولذا يحتاج الشاعر العربي المعاصر إلى الاستفادة مع الخيال الغربي الجامح ؟

الجواب

مرة كنت فى بغداد فى مهرجان المربد سنة 1985 أو 86 لا أذكر جيدا ولقيتُ المستشرق الفرنسي جاك بيرك وحاورته فى بعض المسائل فقال لى إن الشعر العربي لا يطوح الخيال بأصحابه بعيدا وأنه شعر مادي فقلتُ له إنكم لا تستطيعون استكناه معاني الشعر العربي انظر لهذه الأبيات لطرفة ابن العبد

لَعَمْرُكَ إِنَّ الْمَوْتَ مَا أَخْطَأَ الفَتَى        لَكَالطِّوَلِ الْمُرْخَى وَثِنْيَاهُ بِاليَدِ 

مَتَى مَا يَشَأْ يَوْمًا يَقُدْهُ لِحَتْفِهِ           وَمَنْ يَكُ فِي حَبْلِ الْمَنِيَّةِ يَنْقَدِ

إن الرجل يتحدث عن الموت وعن الأمل وعن الأجَل وهي كلها مسائل معنوية غيبية ما ورائية والذي تراه هو حصان فى حبل طويل مشدود به فأنت تنظر إلى الحصان وإلى الحبل وتظن هذا ماديا ولكن الشاعر يتحدث عن أشياء معنوية بعيدة فاللغة العربية لغة تشخيص تتحدث عن المعنوي بالمادي.

وقد تحداني جاك بيرك مرة أن آتيه ببيت من شعر العربي فيه تشبيه الروحي بالمادي فأرشدته إلى بيت المتنبي

يترشفن من فمي رشفات        هن فيه حلاوة التوحيد

والغريب أن بعض خصوم المتنبي المعاصرين الذين نَفِسُوا عليه هذا الإبداع قالوا إن التوحيد فى البيت ضرب من التمر وهذا غير صحيح فالقصيدة كلها تدل على أنه أراد التوحيد يعني الإيمان.

الشاعر محمد الحافظ لو تحدثم لنا عن ملامح تجربتكم الأدبية ومميزات مدرستكم الشعرية ؟

الجواب

يا أخي ما من شاعر أو أديب إلا له رأي بأنه ظلم أو حسد أو بخس حقه وأنا لا أحب أن أدور مع هذه الأسطوانة المشروخة .
هناك من يصنفكم بأنكم شاعر كلاسيكي ولديكم عداء مع شعر التفعلة والشعر الحر؟

الجواب

أنا حاولت أن أتفصى من التحديد وألا أتموقع وألا أتمدرس وألا  أتلوبي إن صح هذا التعبير من اللوبي أنا نشأت فى جو مليئ باللوبيات السياسية كانت موريتانيا فى السبعينات والثمانينات تموج بالحركات السياسية والفكرية فانتسبت مرة للقومية العربية فإذا هي أضيق من أن تستوعني ونظرتُ إلى الشيوعية فإذا هي شئ باهت لا يمكن أن تستخف عاقلا إنما هي تقليعة من التقليعات وإذا الاسلام هو الشئ الذي يمكن ان يستوعب الانسان ولكن مفاهيم الناس فى الاسلام كثيرة فالاسلام مدارس مثلا أنا أحب الصوفية وهناك من لا يحبها ..

إذن أنت إسلامي صوفى ؟

يعني إسلامي بمفهوم الاسلام العام وعربي بمعني العروبة العام

فى ديوانكم عودة الهديل وفي القصيدة التي تحمل هذا العنون هناك توظيف للأسطورة غريب على الشعر العربي ؟

والعجيب أن بعض النقاد يزعمون أنها قصيدة اكلاسيكية قبل ان أقرأ مقاطع من القصيدة فهي تقوم على أساس أن الهديل هو صوت الحمام وأن العرب تزعم أن حمامة أضلت فرخها يعني افتقدته فى
أيام النبي نوح عليه السلام فكل حمامة فى هديلها وغنائها هي تندب وتغني ذلك الفرخ الغابر .

تداخل فرخ الحمام عندي بكثير من المعاني من ضمها الشعر العمودي ومن ضمنها هذه الاجراس الموسيقية من ضمنها حتي فلسطين فأخذت القصيدة وطعمتُها ببعض التراث المحلى وأدخلت فلسطين لأنها ذلك الشجي فى نفوسنا الذي نري كل شيئ من خلاله.

لو قرأت لك مقاطع من قصيدة عودة الهديل

هتفتْ تغنيه مطوقة الحمام    ذكري شباب كان مخضل الثمام

والريح تضرم فى الرمال فحيحها   والليل يأكل أدردا شجر الظلام

وتداخلت فى ذهنها مزق الرؤي   كانت رقوبا ثكلها قبل التمام

أحيانا يلح على ما كان يلح على ابن الرومي من سوء ظن بالقارئ الرقوب هي التي تثكل أولادها وكأني هنا لا شعوريا لم أكتف بالرقوب حتي قلت ثكلها قبل التمام حتي يفهم القارئ

ناجته فى أوب القطيع ربابة    فى ثغو مغزلة مقطعة البغام

عنقود أنغام ترقص عطفه      مقل الصائبات الصائبات من السهام

وهناك مقطع غزلى

وتهادت الرعبوع نهر أنوثة    حتي الظلام يبثها شكوي الغرام

حبُك السما كانت مدارج خَطْوِها    من جنة الفردوس تهبط كل عام

كلماتها إنجيل حب منزل    وجفونها الحوراء تذبح كالحسام

والجيدُ جدول مرمر من خلفه حقل   من الرمان فى صدر حرام

شاركت فى مهرجات أدبية فى سبعينات والثمانينات وقد زرت المشرق العربي ولقيت عددا من الشعراء الكبار وكانت لك سجالات ونقاشات مع هؤلاء ؟

الجواب

إن أي تذكر لهذه المهرجانات ينغص علي حياتي لأنه يذكرني بالعراق الجريح:

إن العراق لم أفارق أهله    عن شنإ صدني ولا قلى

ولا طبى عيني مذ فارقتهم    شَيءٌ يَروقُ الطَرفَ مِن هَذا الوَرى

هذه الأبيات من مقصورة ابن دريد ما زال العراق من أقدم الأيام بلد الشعر ويكفيه أنه بلد أبو الطيب ويكفيه أيضا أنه ترعرع فيه أبو تمام ونزل الموصل

كنت أود أن ألتقى الجواهري ولكني لقيت ابنه فرات وهو ليس بشاعر ولقيت الرشاعر الكبير عبد الرزاق عبد الواحد وقد لقيت نزار قباني فى العراق 1987 وهو شاعر عظيم

يقال إن لك موقفا خاصا منه أو رأيا خاصا فيه ؟

الجواب

أنا لا أندفع مع الرأي العام نزار شاعر ولكنه يتساهل فى اللغة وحتي فى التاريخ وكفى بالمرء نبلا أن تعد معايبه وهو شاعر مبدع على كل حال ولكن فى كثير من الأحيان يَسف.

مرة كان معنا شاعر عراقى كان معجبا بنزار قباني ويحاول أن يقارنه ويوازنه مع المتنبي فقلتُ له إن هذه الموازنة غير سائغة انتظر حتي يعيش نزار قباني ألف سنة ويبقى منه ما بقى من المتنبي عندها تكون الموازنة فى محلها .

مرة قال لى إن نزارا جعل المرأة طريقا للثورة فقلت وقد سبقه المتنبي إلى هذا قال كيف؟ قلت قال

محب كني بالحب عن مرهفاته   وبالحسن فى أنيابهن عن الصقل

وللجود مني ساعة ثم بعدها     فلاة إلى غير اللقاء تجاب

قال ولكن نزارا تحدث عن غزو الفضاء قلت أليس المتنبي هو الذي يقول

يري النجوم بعيني من يساورها    كأنها سلب فى كف مسلوب

أليست النجوم أجراما فضائية وهل يكون سلب  إلا بعد غزو بل بعد انتصار فى هذا الغزو

قال إني أحب نزارا لأنه هجا أنور السادات وقال فيه

سرقوا منا الزمان العربي

سرقوا فاطمة الزهراء من بيت النبي

ياصلاح الدين باعوا النسخة الأولى من القرآن

قلت له وهل تظن أن السادات سلم من هجاء المتنبي قال كيف؟ قلت له استمع

لا يدرك المجد إلا سيد فطن    لما يشق على السادات فعال

ما رأيكم فى طه حسين ؟

الجواب

مرة كنت أصحح فى جريدة الشعب الموريتانية فى السبعينيات وأرهقني السهر فذهب إلى منزل بعض الأقارب للنوم ولم استطع النوم لكثرة الباعوض فبحثت فى الدواليب عن كتاب أتسلى فيه فوجدت كتابا لطه حسين بعنوان مع المتنبي فقرأته ولم أنم حتي كتبتُ الرد عليه بعنوان مع طه حسين فى مع المتنبي.

وكلما كتب طه حسين ليس فيه جديد فالرجل بني شهرته على الشك فى الشعر الجاهلى بآراء واهية كأنه يبني على البحر فهو يقول لك لعل كذا ولعل كذا ثم إذا هو يقول لك ويمكننا أن نجزم يعني كلامه متهافت

لديكم رأي خاص فى الثورة ما رأيك فى الثورة وهل أنت ثوري ؟

الجواب

فى الأثر “ثورُوا هذا الدين فإن فيه حديث الأولين والآخرين ” فالثورة هنا بمعني عدم القرار

إذا كانت الثورة بمعني التطور والتجدد فمرحبا بها ولكن قد تكون الثورة مجرد فوضي مرحبا بالثورة الرصينة التي تأتي بالعدل وتأتي بالحرية.

ما رأيكم فى اللهجات المحلية التي بدأت تدخل الأدب و الشعر العربي بطريقة أو بأخري ؟

الجواب

إن اللهجات هي وليد مسخ للغة العربية وهل يكون المسخ أفضل من الوليد السوي ؟ إن التبحر فى اللغة العربية يجعل اللهجات قريبة منك

انا مثلا جئتُ السعودية طالبا فوصلنا إلى المحطة فقال أحدهم “ندر إقامتك” فقال الموريتاني هذه ليست عربية فقلت له عنترة يقول

والهامُ تندر بالصعيد كانها

  تلقى السيوف بها نقيع الحنظل

مرة كنتُ بالعراق فقال أحدهم أنا كنت “نتغشمر” والغشمرة فى لهجة العراق والكويت وبعض دول الخليج هي التقحم والتجشم للطريق الصعب وهي تعني الدعابة والمزاح وإذا شيخ يريد أن يشرحها لى فقلت له ألم يقل المتنبي

تغشمرت بي إليك السهل والجبلا

فمن قرأ اللغة العربية وتعمق فيها لا يجد فى اللهجات شيئا ينكره وإنما يجدها قريبة من نفسه مثلا فى مصر يقولون “مبارح” فإذا من العرب من يجعل أم بمعني أل كقولهم “ليس من أم بر الصيام فى أم سفر”

وفى اللهجة المغربية تبدل التاء ثاء هذا موجود فى الشعر العربي “ولا ينفع الكثيرُ الخبيتُ” أصلها الخبيث .

حتي فى لهجتنا الموريتانية تسمع من العرب من يقول الأولياي والعلماي فتجد ذلك فى الشعر العربي فتعلم أنه فصيحا

إذا ما المرء صم فلا ينادي # وأودي سمعه فلا ندايا

يعني نداء وهكذا

هل من وصية للشعراء الشباب ؟

الجواب

يحكي أن الشاعر الراحل عمر أبي ريشة  جاءته ابنته بصديقتها تعرض عليه بعضا من الشعرا الحر فلما سمعها قال لم أفهم شيئا فقالت له لم تفهم لأنك لا تفهم الحداثة فقال لها يابنيتي أنا أجيدُ ست لغات وعضو فى خمس عسرة أكاديمية وأحفظ من الشعر أكثر من شعر رأسك فكيف تفهمين شيئا لا أفهمه.

وكان عائشة رضي الله عنها تتمثل بالشعر فى كل شيئ حتي لما توفى والدها أبو بكر رضي الله عنه تمثلت بقول أبي ذئب الهذلى

وإذا المنية أنشبت أظفارها #  ألفيت كل تميمة لا تنفع

كان العربي قديما كلما مسه هم أو حزن أو فرح تمثل بالشعر أما الآن فلا تجد العربي يتمثل بالشعر لأنه قتل الشعر واكتفى بالهذيان المسمي الشعر الحر وقديما قال المعري “هذا الكلام معناه ليس لنا عقول”.

*حاوره : محمد فال ولد الشيخ

زر الذهاب إلى الأعلى