يوم اللغة العربية؛ تخليد واحتفاء، مع مجد الدين الفيروزآبادي والعلامة ابن التلاميد الشنقيطي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله..
تستحق لغة القرآن والسنة – علينا – أكثر من يوم، لتخليدها والاهتمام بها وغرس محبتها في وجدان صغارنا وتعميق معارفها في عقول كبارنا…
أما وقد كان ما كان من تخصيص يوم لهذه اللغة المباركة على غرار أيام غيرها من المهمات، فلنحتف به مع العلامة مجد الدين الفيروزآدي، من مقدمة معلمته المعجميته الملهمة “القاموس المحيط” مستذكرين باعث قلم الرجل ومرجع تحقيق عامة نسخ قاموسه على وجه البسيطة اليوم، العلامة محمد محمود بن التلاميد التركزي الشنقيطي..
يبين العلامة الفيروزآبادي، أهمية لسان العرب لحملة العلم الشرعي وطلابه، قائلا: “وإن بيان الشريعة لمّا كان مصدره عن لسان العرب، وكان العمل بموجبه لا يصحُّ إلّا بإحكامِ العلمِ بمقدّمتهِ، وجب على رُوَّامِ العلمِ وطلَّابِ الأثرِ، أن يجعلوا عُظْمَ اجتهادهم واعتمادهم، وأن يصرفوا جُلَّ عِنايتِهم في ارتِيادِهم، إلى علمِ اللُّغةِ والمعرفةِ بِوُجوهِها والوُقوفِ على مُثُلها ورُسومِها” ثم يعرّج – في فقرة إنصاف – على سلفه من رواد هذا الفنّ مشيدا ومفيدا “وقد عُنِي بهِ من الخَلَفِ والسَّلَفِ في كلِّ عصرٍ عِصابة، هم أهلُ الإِصابة، أَحْرَزوا دقائِقَهُ، وأبْرَزُوا حَقائِقَهُ، وعمَرُوا دِمَنَهُ، وفَرَعُوا قُنَنَهُ، وَقَنَصُوا شَوارِدَهُ، ونَظَمُوا قَلائِدَهُ، وأرْهَفُوا مَخَاذِمَ البَرَاعة، وأَرْعَفُوا مَخَاطِمَ اليَرَاعَة، فَألَّفُوا وأفَادُوا، وصَنَّفُوا وأَجادُوا، وبلَغُوا من المَقَاصِدِ قاصِيَتَها، وملَكُوا من المَحاسِنِ ناصِيَتَها. جزاهُمُ اللَّهُ رِضْوَانَه، وأحَلَّهُم من رِيَاضِ القُدْسِ مِيطَانَه” ثم يتحدّث عن الشقاء المهتاف بشانئ هذا اللسان، وعن السفه البيّن والغبن الفاحش الذي يتلبس الزاهد فيها المعتاض عنها بغيرها: “ولا يَشْنَأُ هذه اللُّغَةَ الشَّريفةَ إلّا من اهْتَافَ بِهِ ريحُ الشَّقَاء، ولا يختارُ عليها إلّا من اعْتاضَ السَّافِيَةَ من الشَّحْواء” ثم يعرّج على أمر ذي أهمية قصوى وضرورة جلى، يتعلق بكون أهمية هذه اللغة – وهي مهمة – ليس أمرا شوفينيا ولا قضية عرقية؛ وإنما لكونها لغة القرآن كما أسلف، ولغة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ “أفادَتْها مَيامِنُ أَنفاسِ المُسْتَجنِّ بِطَيْبَة طِيباً، فَشَدَتْ بِها أَيْكِيَّةُ النُّطْقِ على فَنَنِ اللِّسانِ رَطيبَا، يَتَداوَلُها القومُ ما ثَنَتِ الشِّمالُ مَعاطِفَ غُصْن، ومَرَتِ الجَنوبُ لِقْحَةَ مُزْنْ، استِظْلالاً بِدَولةِ من رَفعَ مَنارها فَأَعْلى، ودلَّ على شجرةِ الخُلْدِ ومُلكٍ لا يَبْلى. وكيف لا؟! والفَصاحَةُ أَرَجٌ بِغيرِ ثِيابِهِ لا يعبَق، والسَّعادةُ صَبٌّ سِوى تُرابِ بابهِ لا يعْشق.
شعر
إذا تنفَّسَ من واديكَ رَيْحانُ
تأَرَّجَتْ من قَميصِ الصُّبحِ أرْدانُ”
قبل أن يحذّرنا – معشر المهتمين – من اقتراب ساعة اندثار معالم هذا اللسان المبارك، بكلمات تذيب الجلامد وتهزّ الضمائر
“وما أجدَرَ هذا اللِّسانَ – وهو حبيبُ النَّفْسِ، وعشيقُ الطَّبْع، وسَميرُ ضَميرِ الجَمْع، وقد وقف على ثَنِيَّةِ الوَداع، وهمَّ قِبِْليُّ مُزْنِهِ بالإقْلاع- بأن يُعتَنقَ ضَمًّا والتِزامًا مع التَّوديع، ويُكرَمَ بنَقلِ الخُطُواتِ على آثارهِ حالةَ التَّشْييع”
هذا… ولا يطيب الاحتفاء بيوم اللغة العربية ولا الاحتفال بها – خاصة مع الفيرزآبادي – إلا مع ذكر “إمام أهل اللغة الخطير وأستاذها الكبير المرحوم الشيخ محمد محمود بن التلاميد الشنقيطي” على حدّ وصف مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة، الذي افتخر في تقديم طبعته من القاموس المحيط، أنها قوبلت على نسخة العلامة ابن التلاميد التي “سطر فيها بقلمه وكتب عليها بخطه المجوّد أنه قابل نسخته تلك على النسخة الرسولية المقروءة على المؤلف” بل إن لنا أن نفتخر بأن عامّة نسخ القاموس المحيط المطبوعة في عالم اليوم، ترجع إلى اعتماد نسخة “إمام أهل اللغة الخطير” هذا!
رحم الله العلامة الفيروزآبادي ورحم محيي علمه وباعث قلمه، أخانا العلامة ابن التلاميد، وتقبل منهما ومن إخوتهما العلماء.
ورفع قدر هذه اللغة العظيمة وقدر من يسعى في رفعة قدرها.
والله تعالى أعلم
د. محمدٌ محمد غلام

زر الذهاب إلى الأعلى