حكاية المعركة الجارية “سيف القدس”/ محمد الأسطل

الحمدد لله، وبعد: فلا ينبغي في خضم المعركة وتساقط القذائف أن نُذهل عن الباعث الرئيس لها، ومع أنَّ هذا الموضوع حقه الدراسات المفصلة لطوله وتشعبه تاريخيًّا إلا أنني أوجزه في هذا المقال بالغ الإيجاز فأقول:بدأت القصة من عام 1967م عندما بدأ العدوان الصهيوني على أرضنا، وقد جعل القدسَ هدفَهُ الأول، وتم محاصرتها ودكها بالمدافع حتى غلب على ظنه أنَّ السكانَ قد رحلوا وأنها قد خلت له، لكن تبين له أنهم ما زالوا ثابتين، وهم الذين بقوا فيها حتى اليوم، فعدل العدو إلى خطة تهويد المدينة وتفريغها من أهلها.

سياسة التهويد والتهجير:

بدأ العدو بتهجير ستة آلاف مقدسي تقريبًا، وهدم أكثر من 135 منزلًا، وأصدر قانون مصادرة أملاك الغائبين، وشرع في طمس كل معالم المدينة المقدسة من حجرٍ وشجرٍ ومقابر ومساجد ومعالم، وغير أسماء الأماكن، فحائط البراق مثلًا سماه حائط المبكى؛ وذلك سعيًا منه في تهويد المكان وتزوير الحقائق.

وفي عام 1969 تم إحراق المسجد الأقصى على يد يهودي استرالي، كما وفرضوا سياسةً تمنع من أعمال الصيانة الدورية لمباني المسجد.وزعموا وجود معبد يهودي أسفل المسجد الأقصى، وهو الهيكل المزعوم، واستعانوا بفتاوى حاخامية صُمِّمت خصيصًا لربط يهود العالم بهذه الأرض.

وفي عام 1990 قامت جماعة تسمى أمناء جبل الهيكل بمحاولة وضع حجر الأساس لما يسمى الهيكل الثالث في ساحة المسجد الأقصى، فهب المصلون للدفاع عن المسجد، وانتهى الأمر بمذبحة استشهد فيها 21 مصليًا رحمة الله عليهم.

وفي عام 2000 دخل شارون المسجد الأقصى، فاندلعت الانتفاضة الثانية، وتم نصب العديد من الحواجز في محيط المدينة المقدسة لتقييد حركة المصلين في المسجد الأقصى، بالإضافة لفرض شروط وأوقات معينة للصلاة فيه، ومنع مَن دون سن الخمسين من دخوله في بعض المناطق، وبناء جدار الفصل العنصري كذلك.ثم جاء مسلسل إبعاد المقادسة عن المسجد وفرض الغرامات عليهم، لا سيما من طلبة العلم الذين كانوا يرابطون في المسجد أكثر ساعات اليوم، ففي عام 2014 تم إبعاد 300 شخص، وفي عام 2019 تم إبعاد 355 شخصًا، وفي النصف الأول من عام 2020 تم إبعاد 236 شخصًا.

فكرة التقسيم الزماني والمكاني للمسجد:

اشتغل العدو الصهيوني على تقريرِ سياسةٍ خبيثةٍ تُمَثِّلُ خطوةً في مخطط السيطرة الكاملة على المسجد الأقصى، تتمثل في التقسيم الزماني والمكاني له بين المسلمين واليهود؛ بهدف تجريده من طابعه الإسلامي المحض كما فعلوا بالمسجد الإبراهيمي بالخليل.

والتقسيم الزماني يعني أن يتقاسم الطرفان ساعات اليوم وأيام الأسبوع والسنة، فيدخله المسلمون في أوقات الصلوات الخمس، ويدخله اليهود في ساعات الصباح وما بعد الظهر والعصر، وجملة الأيام التي من نصيب اليهود تبلغ 150 يومًا في السنة!، ويُحظر رفع الأذان في المسجد أيام الأعياد اليهودية.

أما التقسيم المكاني فيعني اقتسام أرض المسجد، فيكون المسجد القبلي هو المسجد الأقصى فقط، ويكون صحن قبة الصخرة والجهة الشرقية منه خالصًا لليهود، تُبنى أماكن عبادتهم وتعقد طقوسهم فيه.

وبهذا يتم قطع خطوة على طريق إحكام السيطرة على المسجد كله، وجعله مكانًا مقدسًا خالصًا لهم.الخيار الثالث:ما تقرر ذكره اقتضى عشرات من السياسات والإجراءات التفصيلية التي يضيق عن بيانها المقام، والتي تصدى لها إخواننا المقادسة بما لن ينساه أبناء أمتنا لهم أبدًا، حتى آل مخطط العدو للفشل.

ومع فشل التقسيم الزماني بهبة القدس عام 2015، وبهبة باب الأسباط عام 2017، وفشل التقسيم المكاني بهبة باب الرحمة عام 2019 تم وضع برنامج جديد ثالث مع نهاية عام 2019 كما أفادت الأخت المقدسية هنادي الحلواني وفقها الله.

وملخص هذا البرنامج:

التأسيس المعنوي للهيكل، وذلك من خلال أداء كامل الطقوس التوراتية في المسجد الأقصى وكأنه الهيكل المزعوم، بغض النظر عن مبانيه، باعتبار ذلك مقدمةً لفرض تهويد الأقصى.وتولى كبر هذه الجريمة جماعات المعبد، وهي ذات شيءٍ من الثقل في الكيان؛ فلها في الكنيست 17 مقعدًا، وعقدوا لذلك مؤتمرًا قبل شهرٍ ونصفٍ تقريبًا، وبدأوا في استنهاض أنصارهم والدعوة لمسيرات زاحفة مستغلين (يوم توحيد القدس)، وهو يوم العاشر من مايو الذي يعتبره العدو عيدًا وطنيًّا لإحياء ذكري استكمال السيطرة على مدينة القدس، واحتلال ما تبقى منها، والذي بدأ عام 1967 كما مرَّ.

الجولة الجارية الآن:

كان من نتيجة المؤتمر والمسيرات أن تقوم حملة لإدخال أكثر من ألفي مقتحم للمسجد الأقصى، وأداء الطقوس التوراتية الجماعية فيه بشكلٍ علني وجماعي، وتم اختيار العشر الأواخر من رمضان تقديمًا للزمان اليهودي على الزمان الإسلامي.وما إن بدأت الحملة حتى هب المقادسة من كل حدبٍ وصوبٍ يدافعون عن المسجد الأقصى المبارك، مُتَحَدِّينَ قرارَ العدو بتفريغ المسجد من المعتكفين والمصلين، واشتد الحال حتى تحول المسجد لساحة حرب.

ومع اشتداد الأمر ونية العدو في الاقتحام أيًّا كان المآل استغاث المقادسة المرابطون في المسجد الأقصى المبارك بغزة، ولم يسموا سواها، فلم نسمع من ينادي على السلطة الفلسطينية ولا الجامعة العربية ولا الدول العربية المجاورة ولا مجلس الأمن، وإنما كانت قبلتهم واضحة معلومة، ولا غرابة في ذلك؛ فإن غزة اليوم هي البقعة الوحيدة التي تستقل عن العدو بكلمتها وقرارها.

واستجابت غزة للنداء فورًا، ودخلت دخولًا عظيمًا على خط المواجهة، حتى أُربِكَ العدو، وما كان يدور بخلده هذا الدخول الزخم الذي نعاينه الآن.ومع تطورِ الأحداث سريعًا حتى صرنا في أجواء حربٍ ساخنةٍ ومحطةٍ حارقة، وصار أكثر من 5 ملايين صهيوني في الملاجئ، وتغطيةِ الأرض الفلسطينية المحتلة كاملة برشقات الرماية.. بات العدو الآن في ورطة، وصار يبحث عن مخرجٍ آمن يحفظ به ماء وجهه، فلم يجد طريقًا سوى تسليط النيران بكثافةٍ تُذَكِّرُ بمشاهد القيامة لم يسبق لها نظير في أيِّ حربٍ ماضية، يستهدف فيها المؤسسات والمراكز الخدماتية، بل والبيوت والأبراج السكنية؛ وذلك من أجل فرض مشهدٍ يقدر معه أن يغادر الميدان بثوب المنتصر، وأنى له ذلك بإذن الله.

وصفوة القول:

إن هذه المعركة من الطرفين معركة دينٍ وعقيدة، ورؤية العدو باختصار هي الإحلال الديني ليكون مقدمةً لإزالة الأقصى بكامل مبانيه، وتأسيس المعبد في مكانه.ولم تنته المعركة بعد، حتى إنَّ البيت الأبيض صرح اليوم تصريحًا نصه: “القدس الشرقية قضية كانت وستظل مطروحة للنقاش بين الطرفين، وفي المفاوضات المسار إلى الأمام”.

ولعلَّ ومن أعظم حسنات هذه الجولة أنَّ الجيل الشبابي القائم لا يؤمن بأي حل سوى الحراب، ولهذا توجه إلى قبلة الحراب وغض بصره عن كل قبلةٍ أخرى، ودخل المقادسة وعرب الداخل على الخط ولله الحمد، وله الأمر سبحانه من قبل ومن بعد، وإن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم، والحمد لله رب العالمين.

وكتبه: محمد بن محمد الأسطل ليلة السبت الثاني من شوال لعام 1442 هـ، وهي الليلة الخامسة في معركة سيف القدس التي اندلعت عشية الثامن والعشرين من رمضان.

زر الذهاب إلى الأعلى