الشيخ المامي محمد نوح / فارس دعوة ترجل/الكورى عبد البركة


قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَیۡءࣲ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصࣲ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَ ٰ⁠لِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَ ٰ⁠تِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِینَ ١٥٥ ٱلَّذِینَ إِذَاۤ أَصَـٰبَتۡهُم مُّصِیبَةࣱ قَالُوۤا۟ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّاۤ إِلَیۡهِ رَ ٰ⁠جِعُونَ ١٥٦ أُو۟لَـٰۤئِكَ عَلَیۡهِمۡ صَلَوَ ٰ⁠تࣱ مِّن رَّبِّهِمۡ وَرَحۡمَةࣱۖ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡمُهۡتَدُونَ ١٥٧﴾، وقال جل من قائل: ﴿كُلُّ مَنۡ عَلَیۡهَا فَانࣲ ٢٦ وَیَبۡقَىٰ وَجۡهُ رَبِّكَ ذُو ٱلۡجَلَـٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ ٢٧﴾، وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “يقول الله عز وجل: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صَفِّيَه من أهل الدنيا، ثم احتسبه إلا الجنة”.
وقفت أربعة أيام ولياليَهن أتسلى بمثل هذه الآيات والأحاديث، وقد ترجل الصفي، الولي، التقي، النقي، الندي، وما من سلوى تجبر كسره إلا مثل هذه الحقائق المثبتة في الوحيين؛ كتابِ الله وصحيحِ سنة رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم.
والمرء رهن مصائب ما تنقضي
حتى يوسد جسمه في رمسه
فمؤجَّل يلـقى الــردى في غــيـره
ومعجل يلقى الردى في نفسه
وزادني سلوى ما توارد على الذاكرة من مآثر وخصال حميدة لشيخي وملهمي المامي، وأحسب أنه ما تخلى عن أي منها منذ عرفته قبل ثلاثين عاما حتى واريناه الثرى ليل الأربعاء الفائت رحمه الله تعالى.
لقد ذكرتني بالفقيد نصوص الوحي والسنة وهي تتحدث عن فضائل الأعمال في العبادة والتبتل، وفي تزكية النفس ومكارم الأخلاق، فكانت لي جميعُها رسائلَ طمأنة وبشائرَ عزاء؛ فقد استحضرت حديث أبي الدرداء رضي الله عنه عند الترمذي: “ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق”، ويشهد للراحل القاصي والداني بالبشاشة وحسن الخلق، وجال في الخاطر أيضا قول الله عز وجل: “كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون” وقد كان له من ذلك أوفر نصيب. تماما كما أن له حظا ونصيبا في قوله تعالى: “وفي أموالهم حق للسائل والمحروم”، ومآثر الراحل كذلك معلومة مشهودة في حديث بريدة رضي الله عنه عند الترمذي وأبي داود وابن ماجه: “بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة”، وهي كذلك في حديث أبي الدرداء رضي الله عنه في الصحيحين: “لقد رايتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره في اليوم الحار الشديد الحر، وإن الرجل ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما في القوم أحد صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة”. وهي بادية جلية في حديث أبي هريرة عند البخاري: “سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال أمك، قال ثم من؟ قال أمك؟ قال ثم من؟ قال: أمك، قال ثم من؟ قال: أبوك” وقد دفن المرحوم إلى جانب والدته بعد وصية منه فوصلها ميتا كما كان حيا. وللمرحوم أيضا خصلة خدمة الأهل، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ففي صحيح البخاري: “سئلت عائشة رضي الله عنها ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قالت: يكون في مهنة أهله”، تعني خدمتهم.
خِلاَّن الفقيد ومقربوه يشهدون أن له مع نفسه خلوةً، ومع القرآن تلاوةً، ومع الجيران إعانةً ومساعدةً، ومع الإخوان بشاشةً ومحبةً. أما الدعوة وخدمتها فأحسب أنه من فرسانها الأجاود الذين لا يكلون ولا يملون وعلى ربهم يتوكلون، وقد تلقى في سبيلها أذى كثيرا، ودخل السجون لذلك.
هذه نتف خفيفة من حياة رجل صالح، مر بهذه الحياة الدنيا فكانت له بصمة رسمها بأنامل وديعة متواضعة، بيد أن في وقائع الصلاة عليه ومراسيم تشييع جنازته رسائلَ دعوة وتربية؛ فقد جسد في وفاته، كما في حياته، معانيَ الأخوة والترابط والوفاء، وأذاب الفوارق وجمع مختلف الأعراق والأجناس والأعمار والأجيال، فهرع الجميع إليه وهو مُسجى في أكفانه، دامعين حَزَناً لفراقه، داعين له بالرحمة والمغفرة، وبأن تُرفَع درجتُه في المهديين وأن يُحشَر مع النبيين والصدقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. فنعم الرجلُ هو حيا وميتا.
﴿مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ رِجَالࣱ صَدَقُوا۟ مَا عَـٰهَدُوا۟ ٱللَّهَ عَلَیۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن یَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُوا۟ تَبۡدِیلࣰا ٢٢٤﴾.

زر الذهاب إلى الأعلى