“التسعير العكسي” محاولة إنارة/د.محمد محمد غلام

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله…
١. المفهوم
أقصد بالتسعير العكسي (لم أقف على من استخدم المصطلح من قبل) اتفاق منتجي أو مستوردي وموزعي مجال معين من ضرورات الناس وحاجياتهم (إسمنت، حديد، مواد غذائية…) على سعر محدّد لهذا المنتج؟ حتى لا تضطرهم المنافسة البينية لتخفيض الأسعار!
أو اتفاق تجار قطاع التجزئة على أن يحجزوا من عند هؤلاء جميع إنتاجهم أو مستورداتهم ليتفرّدوا بتحديد سعرها المربح؟
وإنما وصفته بالعكسي؛ لأن التسعير المعروف فقها (والمختلف في جوازه وحدوده) هو ما تفرضه الدولة لمصلحة المستهلكين؛ تدخلا إيجابيا من الدولة لحماية المستهلك، وقطعا لمادة الانتهازية التجارية غير المناسبة لتصرٍف التاجر المسلم الذي يرمي إلى الربح الدنيوي في العاجل ويرنو إلى الربح الأخروي في الآجل برحمة ربه (رحم الله من باع سمحا واشترى سمحا..)
وهذه مسألة تعمّ بها البلوى في عامة الأقطار المسلمة دون إلقاء الضوء عليها!

٢. التفصيل:
أ. هل يجوز لمنتجي أو مستوردي وموزعي مجال معين من ضرورات الناس وحاجياتهم (كما هو مبين أعلاه) أن يتفقوا على سعر محدد لهذا المنتج؟ بدل ترك الأمر لقانون العرض والطلب!
والجواب:
أن الأمر راجع لمصلحة الطرفين وما يحققها، وضروراتهم وما يدفعها وحاجاتهم العامة وما يجلبها، وإلى العدل في كل ذلك والقيام بالقسط:

  • فإذا كان اتفاقهم على سعر غير عادل، أو كان فيه إضرار بالمجتمع (المستهلك) أ و إغلاء مفتعل لأسعار الموادّ الضرورية وشبهها في البلد، منعوا من ذلك؛ لأنه “لا ضرر ولا ضرار” ولأن “الضرر يزال” ولأن احتكار ضرورات الناس وحاجياتهم العامة بغرض الرفع الفاحش في سعرها، من الظلم المحرّم.
  • أما إذا كان اتفاقهم على تفاهمات تمنع الإضرار بمصالحهم وتضمن لهم القدرة على ديمومة القيام بفرض الكفاية الذي انتصبوا له (إنتاج وتوفير هذه السلع أو المعدّات) وكان ذلك بأسعار عادلة، تزكيها الجهات الوصية في الدولة (وزارة التجارة مثلا) ومؤسسات حماية المستهلك الأهلية ومنظمات المجتمع المدني الجادّة، فلا أرى في ذلك بأسا. ب. وهل يجوز لتجار قطاع التجزئة أن يحجزوا من عند هؤلاء جميع إنتاجهم أو مستورداتهم ليتفرّدوا بتحديد سعرها المربح لهم ولو غلا على الناس؟
    وهل تدخل هذه المعاملة في معنى تلقي الركبان؟
    والذي يتبين لي أن مرجع الحكم على هذه راجع – مثل أختها – إلى المقصد أولا (إنما الأعمال بالنيات) ثم إلى النتيجة والمآل ثانيا (اعتبار المآل والعاقبة)
    فإذا كان المقصد نبيلا؛ وكان الدافع استقرارَ الأسواق وانسيابها وتنظيمها، وكانت النتيج مرضية عادلة؛ لا تجلب غلاء فاحشا ولا احتكارا ظالما، كان في الأمر متسع.
    وأما إذا كانت المنطلق شحّا مطاعا وإضرارا بالمستهلك وتربّحا بإغلاء السلع عليه واستغلالا لضرورات المجتمع وحاجياته الكلية، أو أفضت المعاملة إلى ذلك – ولم طابت النيات – منعوا من ذلك، وضرب على أيديهم.
    والله تعالى أعلى وأعلم
    د. محمدٌ محمد غلام
    مستفيدا ومستزيدا
زر الذهاب إلى الأعلى