التشريع الإسلامى بين المطلق والنسبي ح1/محمد جميل منصور

1- مقدمة الورقة

طرحت التطوّرات الفكرية والحياتية، التي شهدتها البشرية في القرن الماضي، تحديات كثيرة أمام الفكر الإسلامي، والمشتغلين فيه، وانطلقت على ضوئها مراجعات، وقُدّمت أطروحات سعت، في أغلبها، إلى الإجابة عن الأسئلة التي أفرزتها هذه التحديّات، واختلفت الزوايا التي نظر بوساطتها أهل العلم والفكر إلى هذه الأسئلة؛ بل اختلفت المنهجيّة في التعاطي، ففريق اهتمّ بتقديم الفتاوى مجزّأة حسب الأقضية التي تستجدّ، أو الأسئلة التي تُطرح، أو الإكراهات التي تفرض نفسها، وكان من هذا الفريق أفراد ومؤسّسات،
واشتهرت، في هذا الصدد، موضوعات في الطبّ، والأحوال الشخصيّة، والمسائل المالية، والمستجدات العلمية، وفريق آخر اهتمّ بالنظر الكلّي في الموضوع، واعتبر أنّ حجم التحدّي الفكري أكبر، وأوسع، وأكثر تعقيداً، وأوسع أثراً، من التعامل معه بالطريقة الإفتائية التقليدية، ويتطلّب إبداع منهجيّة متكاملة، وهكذا بدأ الاستدعاء، استدعاء العلوم التاريخيّة عند المسلمين، التي تساعد في هذه المهمّة العلمية والمنهجية. تذكروا أنّ الفقه الإسلامي تعايش مع أحوال، وظروف، وسياقات متباينة، فكيّف وتكيّف. ولا عجب أن دخل هذا الفقه شتى البيئات والأوطان، وحكم مختلف الأجناس والألوان، من أعراب البوادي، إلى ورثة الحضارات العريقة في بلاد الأكاسرة، والقياصرة، والفراعنة، والتبابعة، وقد واجه نظماً متباينة، وعادات متضاربة، وأفكاراً متباعدة، وأوضاعاً متغيّرة، وأحوالاً متقلّبة، فلم يضق ذرعاً بالإفتاء فيها، والتشريع لها، والقضاء بينها بالقول الفصل، والحكم العدل 1». وهي الشهادة نفسها التي قدّمها باحث من نوع آخر هو الدكتور وائل حلاق، الذي يقول متحدّثاً عن تعدديّة الفقه: «فقد زودته بقدر كبير من المرونة، والقدرة على التكيُّف في إدارة مجتمعات وأقاليم مختلفة جذرياً، من المغرب إلى أرخبيل الملايو، ومن بلاد ما وراء النهر سيحون إلى الصومال.
وطبيعي أن يكون التركيز على علم أصول الفقه، الذي عُدَّ من قبل كثير من الدارسين في الحقل الإسلامي، ومن خارجه، التطوّرَ المنهجي الأبرز في تاريخ النظر عند المسلمين، ومعروف أنّ هذا العلم تطوّر على نحو واسع، من عهد الإمام محمد بن إدريس الشافعي في كتابه (الرسالة(، الذي يُعدُّ باكورة التأليف في هذا العلم، إلى تبلور )المقاصد( مع أبي إسحاق الشاطبي، بكلِّ ما تضمّنته من سعة منهجية وتركيبية أعطت العقل الإسلامي مجالاً وأمداً واسعين، وهكذا ستفيد المدوّنة الأصولية مدرسة البحث عن منهجية متكاملة للاجتهاد الإسلامي المعاصر، وهنا سيبدأ النظر إلى التشريع الإسلامي بمعناه العام، في استحضار ثنائية المطلق والنسبي، التي تهدف إلى وضع الحدود لدائرتيها، دائرة المطلق الذي يتجاوز الزمان والمكان، فلا يتأثر بتقلّب العصور، ولا باختلاف الأمصار، ودائرة النسبي التي يختلف التعاطي معها من حال إلى حال، ومن فترة إلى أخرى، وتصطبغ بعوائد وأعراف وخصوصيات الأمم والشعوب. وقد صاغ الدكتور حسن الترابي هذه الثنائية بلغته الخاصّة: “والحقّ في تصوّر الدين أنّه توحيد بين شأن الله، وشأن الإنسان في الدنيا، بين المطلق الثابت، والنسبي المتحوّل، ويكمن البلاء المبين في المفارقة الدائبة التي تطرأ بين الحقّ الأزلي، والقدر الزمني، ويكمن الموقف الديني في التزام التكليف الشرعي بمجاهدة تلك المفارقة حيثما طرأت، ومحاولة تحقيق التوحيد في كلِّ حال”.
ونحن نقدِم على طرح هذه الإشكالية، أو هذه الثنائية، لأنّ وضوح النظر في شأنها، وضبط القواعد في التعامل معها، عاصمٌ منهجيٌّ في بلورة الرؤى، وتحديد الاختيارات، فممّا يربك أيّ مسار نظري، أو بناء فكري، غياب الأرضية التي تحكمه، فيؤدّي ذلك إلى اضطراب في التوجّهات والتقريرات التي قد تُعدُّ أمراً في حال، وتناقضه في آخر، تسمح بمرونة في قضيّة، ثمّ تضيق في أخرى، وفي الغالب، يتأثّر بهوى اللحظة، أو ضغط الحال، أو إكراه المجال. وسنجتهد، في هذه الورقة، في تناول هذا الموضوع من خلال منطلقات وضوابط تتحدّد على ضوئها فلسفة الفهم، وحدود الثوابت، ومجال المتغيّرات، وترسم بناء عليها طبيعة العلاقة بين الديني والدنيوي، وما يترتّب على ذلك من اختيارات وخلاصات ستحكم المحور الثاني، الذي سنحاول فيه تنزيل هذه المعاني الفكرية والمنهجية على الفقه السياسي، أو الفكر السياسي، متوقفين عند خصوصيّته، مارين على أثر العنصر الزمني، والتجارب السابقة عند المسلمين، وعلاقة الوحي والتاريخ في ذلك السياق، خالصين إلى جملة من الخلاصات رأينا أنها بمثابة مقاربة في الفقه السياسي، منتهين إلى فتح آفاق لبحث ينبغي أن يتواصل ويتطوّر.


زر الذهاب إلى الأعلى