أسفار_المعرفة (4)/السنة والبدعة عند الإمام الشاطبي من خلال كتاب الاعتصام/ خليهن محمد الأمين

1- كتاب “الاعتصام” للإمام الشاطبي من أعظم كتب التراث، وهو أهم مؤلفات الشاطبي بعد كتاب “الموافقات”. ويرى الشيخ الدكتور أحمد الريسوني أن كتاب الشاطبي المفقود “شرح كتاب البيوع من صحيح البخاري” ربما يكون هو أهم مؤلفات الشاطبي بعد “الموافقات”. وعلى كل حال فلا تهمنا هنا الموازنة بين الكتابين، ما دام أحدهما مفقودا لم يعثر عليه، والذي يهمنا هنا هو أن المتفق عليه اليوم بين العلماء والباحثين أن “الاعتصام” يعد هو الكتاب الثاني للشاطبي -من حيث الأهمية والقيمة العلمية- بعد كتاب “الموافقات”.

2- ليس كتاب “الاعتصام” هو أهم كتاب للشاطبي بعد “الموافقات” فحسب، بل هو أيضا أهم كتاب ألف في موضوع “السنة والبدعة”؛ وذلك لأنه أكثر الكتب التي ألفت في هذا المجال شمولا وإحاطة وتناولا للموضوع من مختلف جوانبه؛ رغم أن صحبه توفي قبل أن يكمله، كما أنه يتميز بالإحكام المنهجي، وبقوة التأصيل وتوظيف القواعد الأصولية والمقاصدية. وقد التزم صاحب “الاعتصام” من البداية إلى النهاية بالمعالجة الأصولية المقاصدية الرصينة للمسائل التي تناولها؛ رغم أن موقفه من أقوى المواقف وأشدها على البدع، ولم تسيطر العاطفة على تحليله للمذهب البدعي وتفكيكه له، كما سيطرت على أعلام كبار غلب على معالجاتهم للموضوع الجانب الدعائي؛ رغم كثرة الفوائد واللمحات العلمية فيما كتبوا.

3- يمكن اعتبار كتاب “الاعتصام” هو الجزء التطبيقي المكمل لكتاب “الموافقات”، وذلك باعتبار أن كتاب “الموافقات” كتاب في التنظير لعلم “المقاصد” وكتاب “الاعتصام” كتاب في التطبيق وتنزيل نظريات الشاطبي في الأصول والمقاصد على القضايا الفقهية، بل يمكن القول إن “الاعتصام” مبني على القواعد والأصول التي تقررت في “الموافقات” وليس تنظيرا ينطلق من غير أصول قوية وراسخة، فإننا نجد الشاطبي في “الاعتصام” كثير الإحالة على مباحث “الموافقات” (حال إليه أكثر من عشرين مرة). فهو يوظف تلك المباحث هنا في كتاب “الاعتصام” للتدليل على آرائه الفقهية وبنائها، ويحيل إليها هناك في “الموافقات” ليبين أن تلك القواعد التي يستدل بها هنا تمت برهنتها وبناؤها هناك في ذلك الكتاب.

4- كتاب “الاعتصام” ليس وليد تفكير عابر ولا ردة فعل عاطفية على بيئة اجتماعية تنتشر فيها البدع، وإنما هو ثمرة عقود من التفكير والتأمل والدراسة والبحث والتتبع والاستقصاء للنصوص الشرعية الواردة في الموضوع، وفي هذا يقول الشاطبي “وعلى طول العهد ودوام النظر اجتمع لي في البدع والسنن أصول قدرت أحكامها الشريعة، وفروع طالت أفنانها، لكنها تنتظمها تلك الأصول، وقلما توجد على الترتيب الذي سنح به الخاطر، فمالت إلى بثها النفس” (الاعتصام، ص18). وكان من ثمرات ذلك هذا الكتاب الذي نتحدث عنه اليوم، فلا غرابة إذا أن يكون هذا الكتاب على هذا المستوى العالي من النضج والاتقان.

5- يتألف كتاب “الاعتصام” من مقدمة وعشرة أبواب، تحت كل باب مجموعة من الفصول، الباب الأول في “تعريف البدع وبيان معناها”، والباب الثاني في “ذم البدع وسوء منقلب أصحابها”، والباب الثالث في “أن ذم البدع والمحدثات عام”، والباب الرابع في “مأخذ أهل البدع في الاستدلال”، والباب الخامس في “أحكام البدع الحقيقية والإضافية والفرق بينهما”، والباب السادس في “أحكام البدع وأنها ليست على رتبة واحدة”، والباب السابع في “الابتداع هل يدخل في الأمور العادية أم يختص بالعبادية؟”، والباب الثامن في “الفرق بين البدع والمصالح المرسلة والاستحسان”، والباب التاسع في “السبب الذي لأجله افترقت فرق المبتدعة”، والباب العاشر في “بيان معنى الصراط المستقيم”.

6- يعرف الشاطبي البدعة بأنها “طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الطريق الشرعية، ويقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه”. والبدعة على هذا التعريف إنما تكون في الأمور المحدثة في الدين، لا في أمور الدنيا، وإنما تكون هذه المحدثة بدعة عند ما يجعل منها المبتدع قربة يتقرب لله تعالى بها، وعند ما يعتقد أنها كذلك، إما عند ما لا يعتقد قربتها فإنها تكون حينئذ معصية ولا تكون بدعة.

7- بعد أن سرد الشاطبي نصوصا كثيرة من القرآن والسنة وأقوال السلف أخذت أكثر من 30 صفحة من الكتاب، قال “الأدلة المتقدمة لا تقتضي بالقصد الأول من البدع نوعا دون نوع، بل ظاهرها يقتضي العموم في كل بدعة، حدثت أو تحدث إلى يوم القيامة، كانت من الأصول أو من الفروع” (الاعتصام، ص68). وهذا رد على الفقهاء الذين قسموا البدع إلى “بدعة حسنة”، و”بدعة سيئة”. ويؤكد الشاطبي هذا المعنى في موضع آخر بأسلوب أوضح وأكثر صراحة، فيقول إن الأدلة “جاءت مطلقة عامة على كثرتها، لم يقع فيها استثناء البتة، ولم يأت فيها شيء مما يقتضي أن منها ما هو هدى…
فلو كانت هنالك محدثة يقتضي النظر الشرعي فيها الاستحسان أو أنها لاحقة بالمشروعات؛ لذكر ذلك في آية أو حديث، لكنه لا يوجد، فدل على أن تلك الأدلة بأسرها على حقيقة ظاهرها من الكلية التي لا يتخلف عن مقتضاها فرد من الأفراد” (الاعتصام، ص93).
ويؤكد الشاطبي أن “البدع ضلالة، وأن المبتدع ضال ومضل.
والضلالة مذكورة في كثير من النقل المذكور، ويشير إليها في الآيات الاختلاف والتفرق شيعا وتفرق الطرق؛ بخلاف سائر المعاصي؛ فإنها لم توصف في الغالب بوصف الضلالة؛ إلا أن تكون بدعة أو تشبه البدعة” (الاعتصام، ص88)، ولذلك فإن “البدعة لا تفيد معها عبادة من صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا غيرها من القربات، ومجالس صاحبها تنزع منه العصمة، ويوكل إلى نفسه، والماشي إليه وموقره معين على هدم الإسلام، فما الظن بصاحبها؟” (الاعتصام، ص71).

8- يفرق الشاطبي بين العوام وأهل النظر في مجال الابتداع، فيبين أن “(أهل الأهواء)، وعبارة (أهل البدع)؛ إنما تطلق حقيقة على الذين ابتدعوها، وأقاموا فيها شرعة الهوى؛ بالاستنباط، والنصر لها، والاستدلال على صحتها بزعمهم” (الاعتصام، ص108)، أما العوام فلا يطلق عليهم لفظ “(أهل الأهواء) حتى يخوضوا بأنظارهم فيها، ويحسنوا بها ويقبحوا.
وعند ذلك يتعين للفظ (أهل الأهواء) و(أهل البدع) مدلول واحد، وهو: من انتصب للابتداع أو لترجيحه على غيره، أما أهل الغفلة عن ذلك، والسالكون سبيل رؤسائهم بمجرد التقليد من غير نظر؛ فلا” (الاعتصام، ص109).

9- من إنصاف الإمام الشاطبي رحمه الله وموضوعيته ودقته العلمية أنه عقد بابا ضمن أبواب كتاب الاعتصام العشرة لبيان حجج أهل البدع التي استندوا إليها سماه “مآخذ أهل البدع في الاستدلال”، وبعد سرده لجملة من مغالطاتهم التي موهوا بها على آرائهم الفاسدة، علق على ذلك بقوله إن مدار غلطهم “إنما هو على حرف واحد، إنما هو الجهل بمقاصد الشرع، وعدم ضم أطرافه بعضها إلى بعض؛ فإن مآخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين إنما هي على أن تؤخذ الشريعة الصورة الواحدة بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المرتبة عليها” (الاعتصام، ص163).
ويرى الشاطبي أن طريقة أهل التصوف “إنما دخلتها المفاسد وتطرقت إليها البدع من جهل قوم تأخرت أزمانهم عن عهد ذلك السلف الصالح، وادعوا الدخول فيها من غير سلوك شرعي، ولا فهم لمقاصد أهلها، وتقولوا عليهم ما لم يقولوا به، حتى صارت في هذا الزمان الآخر كأنها شريعة أخرى غير ما أتى بها محمد صلى الله عليه وسلم” (الاعتصام، ص59).

10- يفرق الشاطبي بين نوعين من الابتداع؛ الابتداع الذي لا أصل له في الدين، ولم يدل عليه “دليل شرعي؛ لا من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا قياس، ولا استدلال معتبر عن أهل العلم؛ لا في الجملة ولا في التفصيل” (الاعتصام، ص194). وهذا النوع يسميه الشاطبي “البدع الحقيقية”.
وأما النوع الثاني فهو البدعة التي دل عليها الدليل من جهة الأصل، “ومن جهة الكيفيات أو الأحوال أو التفاصيل أو الأوقات لم يقم معها دليل، مع أنها محتاجة إليه؛ لأن الغالب وقوعها في التعبديات لا في العاديات المحضة” (الاعتصام، ص195). وهذا يسميه الشاطبي “البدع الاضافية”.
فالبدعة الحقيقية ليست هي محل الإشكال والبحث هنا؛ فأمرها جلي لا يختلف حوله العلماء وأهل النظر، وأما البدعة الإضافية فهي محل الإشكال والنظر، وهنا يبين الإمام الشاطبي أن سكوت الشرع على أمر كانت أسبابه قائمة في زمن الوحي، وترك تحديد أمر زائد فيه على ما كان عليه في زمن الوحي “كالنص على أن القصد الشرعي فيه أن لا يزاد فيه على ما كان من الحكم العام في أمثاله ولا ينقص منه” (الاعتصام، ص248).
ويضيف أن البدعة الإضافية قد تقترب من البدعة الحقيقة في حالة إذا كان “أصل العبادة مشروعا؛ إلا أنها تخرج عن أصل شرعيتها بغير دليل توهما أنها باقية على أصل تحت مقتضى الدليل، وذلك بأن يقيد إطلاقها بالرأي، أو يطلق تقييدها” (الاعتصام، ص259). ويمثل لهذا بتخصيص الأيام الفاضلة بأنواع من العبادات التي لم تشرع لها خصيصا، ويؤكد أن هذا “التخصيص والعمل به؛ إذا لم يكن بحكم الوفاق، أو بقصد يقصد مثله أهل العقل كالفراغ والنشاط؛ كان تشريعا زائدا” (الاعتصام، ص259).

11- يبين الشاطبي “أن البدع إذا تؤمل معقولها؛ وجدت رتبها متفاوتة…
…فمنها ما يقع في رتبة الضروريات، أي: أنه إخلال بها، ومنها ما يقع في رتبة الحاجيات، ومنها ما يقع في رتبة التحسينيات” (الاعتصام، ص276). وحتى لا يظن المبتدع أنه قد فتح أمامه الباب، وأن البدع منها ما أمره هين، باعتبار تفاوت رتبها، يؤكد صاحبنا أن البدع إذا كانت “ليست في الذم ولا في النهي على رتبة واحدة، وأن منها ما هو مكروه كما أن منها ما هو محرم؛ فوصف الضلالة لازم لها، وشامل لأنواعها؛ لما ثبت من قوله صلى الله عليه وسلم: <كل بدعة ضلالة>” (الاعتصام، ص282). ويزيل اللبس عن لفظ “الكراهة” الذي اطلقه بعض المتقدمين على أنواع من البدع، فيؤكد أن “تعيين الكراهة التي معناه نفي إثم فاعلها وارتفاع الحرج عنه البتة؛ … مما لا يكاد يوجد عليه دليل من الشرع، ولا من كلام الأئمة على الخصوص” (الاعتصام، ص284)، وأن “كلية قوله: <كل بدعة ضلالة> شاهدة لهذا المعنى، والجميع يقتضي التأثيم، والتهديد والوعيد، وهي خاصية المحرم” (الاعتصام، ص285).

12- حسم الشاطبي في تعريفه للبدعة أنها تختص بالعبادة ولا تدخل في الأمور العادية، غير أنه عاد ليناقش هذه المسألة ويؤسس لها من جديد، ويرد على العلماء الذين أدخلوا أمور الدنيا في مجال البدع، و”عدوا كل محدث في العاديات بدعة” بقوله “فليعدوا جميع ما لم يكن فيهم من المآكل والمشارب والملابس والكلام والمسائل النازلة التي لا عهد لها في الزمان الأول بدعا، وهذا شنيع” (الاعتصام، ص302). إلا أن الشاطبي بعد هذه التقرير القوي في إخراج جانب العاديات من مجال البدع عاد ليقرر أمرا في غاية الأهمية “لا بد من المحافظة في العوائد المختلفة على الحدود الشرعية والقوانين الجارية على مقتضى الكتاب والسنة” (الاعتصام، ص302)، وليؤكد أن “العاديات من حيث هي عادية لا بدعة فيها، ومن حيث يتعبد بها أو توضع وضع التعبد تدخلها البدعة” (الاعتصام، ص316).

13- يتابع الشاطبي الغوص في المعاني الدقيقة والفقه العالي، فيناقش الفروق بين البدعة والمصالح المرسلة، وذلك باعتبار أن هذه الأخيرة “يرجع معناها إلى اعتبار المناسب الذي لا يشهد له أصل معين… وهذا بعينه موجود في البدع المستحسنة؛ فإنها راجعة إلى أمور في الدين مصلحية -في زعم واضعيها- في الشرع على الخصوص” (الاعتصام، ص323 – 324)، بيد أن الشاطبي بعد نقاش طويل لهذه الشبهة وإيراد لكثير من الأمثلة في شرح معنى “المصلحة المرسلة” يؤكد أن المصالح “ملائمة لمقاصد الشرع؛ بحيث لا تنافي أصلا من أصوله، ولا دليلا من أدلته”… كما أن “عامة النظر فيها إنما هو فيما عقل معناه وجرى على ذوق المناسبات المعقولة المعنى التي إذا عرضت على العقول تلقتها بالقبول، فلا مدخل لها في التعبدات ولا ما جرى مجراها من الأمور الشرعية” (الاعتصام، ص335)، أما البدع فإنها “لا تلائم مقاصد الشرع، بل إنما تتصور على أحد وجهين: إما مناقضة لمقصوده… وإما مسكوتا عنها فيه… وقد تقدم نقل الاجماع على اطراح القسمين معا” (الاعتصام، ص338).
ويضيف الشاطبي أن “المصالح المرسلة ترجع إما إلى حفظ ضروري من باب الوسائل أو إلى التخفيف؛ فلا يمكن إحداث البدع من جهتها… لأن البدع من باب المقاصد لا من باب الوسائل، لأنها متعبد بها بالفرض، ولأنها زيادة في التكليف، وهو مضاد للتخفيف” (الاعتصام، ص339).

زر الذهاب إلى الأعلى